الأحدث

رياح “الانقلاب” تهب على الحِراك

كتب عبدالله قمح

تبدو الأمور ضبابيّة في الشارعِ، أقرَب إلى مبهمة، تنزلق بوتيرةٍ متسارعةٍ صوبَ المجهولِ، وما يزيد من نِسَبِ استثمار هذه العوامل، التشتُّت والضياع اللذين يخيِّمان على المتظاهرين.

في المقابل، هناك وضوحٌ يذهب صوب الاعتقاد بأنّ هذا الضياع لا محالَ أن ينبثِقَ عنه أيّ حلٍّ، أو يتشكَّل على أعتابه أيّ إطارٍ “قياديٍّ” صريحٍ يحمل همومَ المتظاهرين نحو الأعلى.

ما هو ثابتٌ الآن، وجود قرارٍ يقف خلفه أحد ما في مكانٍ معيّن، يصرّ على قرار البقاء في الشارع فقط ووأد أي محاولة للحديث مع السلطة وقمعِ كل فردٍ يفكر بالانصياع خلف هذا الشرط، وتحوير التظاهرات من مطلبية إلى سياسية. هذا ما يُمكن قوله بعد مشاهدة خروج “انتفاضات جيّاع” تشتم السيّد حسن نصرالله في كلٍّ من الجامعة الأميركية وجل الديب وطرابلس.

لا بل أنّ أكبر الأخطار التي تتهدّد مستقبل الإنتفاضة، هو بدء ظهور تيارات متنافرة ومتباينة في ما بينها، يسعى كلٌ منها إلى تلزيم الحراك لنفسه وجعل نتائجه ومكتسباته ملكًا حصريًّا له وحده لا شريك له. والمصيبة، أنّ هذه التكتلات لا يجمعها شيء سوى التظاهر في الشارع ورفع صوت الاعتراض صوب الحكم. فمن فوق، يظهر أنّ ثمّة توحّد خلفَ مطالب معيّنة، ومن تحت يتضح أن هناك تباينًا حتى حول جنسِ الملائكة، وهو ما يعرِّض التظاهرات إلى الدخول في خندقٍ فتنويٍّ خطيرٍ.

بُعيدَ دعوة أمين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله المتظاهرين إلى الحوار، بدأ يتمخض عن الحراك في شتّى الساحات، “لجان عمل” تضع على عاتقها وضع “برنامج” لحراكها وتقطيره صوب العمل المنظّم، بالإضافة إلى الانطلاق من أرضية سليمة بإتجاه تلك الساحات. لكن تبيَّن، أنّ بعض الجهات، ولعلّها مجموعات أو حركات، تسعى إلى وأدِ هذه الظواهر في مهدها من خلال إسقاط تهم الخيانة عليها تمهيدًا لشيطنتها كمقدّمة لإخراجها من الساحات.

في ساحة رياض الصلح، انضوَت مجموعة من الأساتذة والشباب والمثقفين في حلقةٍ نقاشيةٍ من أجل الخروج بـ”لجنة” و”ورقة” تنظِّم عملهم. من إحدى خيم السّاحة اتخذوا موقع إجتماع علنيٍّ لهم. هذا التوجّه، لم يرق لمجموعات أخرى، غالبيّتها تعود وفق معلومات “ليبانون ديبايت”، إلى منظمات غير حكومية رفعت خيمًا لها وسط الساحة. ممثلون عن هؤلاء إندفعوا صوب الخيمة مهدّدين بـ”تكسيرها على رأسِ من فيها” معلنين رفضهم لأي تنظيم، ما أدّى إلى فرطِ الاجتماع وإعلان وفاته قبل أن يولد.

آخرون، وجدوا بعد “تجربة رياض الصلح”، أنّ إحتمالات تشكيل لجانٍ “علنيّةٍ” منخفضة، فأتت خطواتهم المباشرة مع إتخاذ بعضهم القرار بفتحِ إتصالاتٍ مع السلطة برعاية أحد كبار رموزها من أجل التمهيد لإطارٍ يتشكَّل ويتبنَّى طروحات المتظاهرين. لكن ما يقلّل من أهمية تحركهم، أنه يأتي من خارج إكتمال عناصر التأييد من الشارع، والتي يحتاجونها من أجل مراكمة الضغط عند الجلوس على طاولة المفاوضات، وهذا ما يعد عاملاً سلبيًّا لا يخدمهم.

في المقابل، يبدو أنّ هناك تواصلًا غير معلنٍ يتم بين أركان في السلطة، هم ممثّلون بمرجعيّة أساسيّة، لعلّه وليد جنبلاط، وحزب القوات اللبنانية، الذي أبدى إستعداده، على لسان النائب جورج عدوان للخروج من الشارع. وبما أنّ خروجها أصبحَ واقعًا لا مفرّ منه مع إكتمال عناصر التنفيذ الأمنيّة، يبقى أنّ ثمنَ الخروجِ هو الذي يجري بحثه حاليًا.

حيث أنّ “القوات”، على ذمّة مطلعين على موقف الحزب، تريد تقريش نزولها إلى الشارع بمكاسبٍ تستردّها أو تمنح لها في السلطة، وهذا لا يتوقع أن يؤمِّن لها إلّا من خلال إجراء تعديلٍ حكوميٍّ يجعلها في مقدّمة التمثيل لا ذيله. من هنا، يدور حديث الآن حول تشكيل حكومة مصغّرة لكون الحالية لا إمكانية لاعادة تعويمها في ظلّ الظروف الحالية، بالاضافة إلى وجود دعمٍ غربيٍّ، فرنسيٍّ تحديدًا، للذهاب نحو تشكيل حكومة “لطيفة” ترضي الشارع.

ما يجري داخل الحراك، يمكن تسميَته “تضعضع وتشتت”، ناتجٌ عن غيابِ القيادة الفعلية وإحلال منطق “الغوغاء والفوضى” مكانه، ويمكن لهذا الشيء أن يكون مركبًا.

ونظن أنّ من يقف خلف أعمال تقويض إنشاءِ لجانِ عملٍ منبَثقة عن التحرّك وإجهاض محاولات التفاوض، لا مصلحة له في إظهار قيادة حاليًّا، وهو أمرٌ يدعو إلى الحيرة والذهاب إلى ما هو أبعدُ من الحيرة صوب الريبة، بل يفرز عن اسئلة تدور جميعها حول إمكانية أن يكون هؤلاء ينتظرون ساعة صفر تحين لإطلاق منصّات قيادية تدور ضمن ترسيخ نفس الادارة والنهج والعقلية.

هذا التصرّف، الذي أخذ ينمو ويكبر في السّاحة في ظلّ وجودِ “أعينٍ” أخذت تراقب إحتمال تكرار حصول لقاءٍ مماثلٍ، ذهبَ بالبعض حدّ الاستهجان والاستغراب، لكون بعض المجموعات التي اعنلت “الثورة على الثورة” في مهدها، رفضت حتى منطق الحوار مع زملائهم، فكيف لهؤلاء أن يرضوا بمنطق الحوار مع السلطة؟ ثم ما المصلحة من إسقاطِ مساعٍ مشابهةٍ في السّاحات؟ وما هو الهدف من بقاءِ “أركان التظاهرات” متستّرين متخفّين ممنوع إظهارهم؟!

هذا الجو ليس يتيمًا. في ساحات أخرى يفترض أنها منضوية ضمن الحراك، بدأت تظهر أشكال واضحة من التمايز. في صور مثلاً، رفعت عريضة مطلبية كبيرة من بنودها إقرار قانون انتخابي خارج القيد الطائفي يتبعه إجراء إنتخابات نيابية مع ظروف عدالة إجتماعية واضحة، لكن في الزوق أو جل الديب أو جبيل مثلاً، بدا الأمر مختلفًا حتى التناقض. لا تتحدَّث عن دعوة لإقرار قانون انتخابي من هذا النوع، بل تطالب بتشكيل حكومة تكنوقراط و”إسقاط حسن نصرالله!!!!”.

طرابلس، ليست بعيدة من هذه الأجواء، حيث أنّ تظاهراتها التي بدأت أولاً بتوجيهِ تحيّات إلى الضاحية، سرعان ما سقط القناع عنها بعد “حادثة البداوي”، إذ تولى “الثوار”، الغالبية منهم، شتم أمين عام حزب الله والضاحية ورئيس مجلس نواب نبيه بري، من غير أن نعرف ما هي علاقته التي تثير غضب الجماهير!

على هذا النحو، يمكن القول أنّ المطلوب حاليًا من الشارع زيادة الإستثمار في الفوضى على نحوٍ يؤدي إلى تأمين خدمات من يقف خلفها وتكريس عوامل “فقدان السيطرة” في الشارع، وهذه يمكن إضافتها على إكتمال العناصر التي تؤسس إلى خروج القيادات بشكلٍ يخشى أن يكون إنقلابيًا يتمظهر من خلال تشكيل مجالسٍ إنتقالية محلية، نتحدَّث هنا عن “تنسيقيّات ثورة” كتلك التي استخدمت في سوريا وإنبثقَ عنها لاحقًا “مجلس وطني”، تسمع في بيروت الآن أصداء بدأت تمهد الدعوة إليه!

المصدر: ليبانون ديبايت 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق