الأحدث

عن حزب الله ومكافحة الفساد

كتب غسان سعود

كان ذلك بعد الانتخابات النيابية ببضعة أيام، كنت وأحد الأصدقاء المحبين لحزب الله في السيارة حين قال إن الحزب جديّ في نيته مكافحة الفساد. تبسمت دون تعليق وذهبنا إلى حديث آخر، ما كاد ينتهي حتى عاد الصديق ليقول: لم تقل رأيك في ما قلته عن جدية الحزب في مكافحة الفساد. تبسمت من جديد. يفهمني “على الطاير” هذا الصديق فسارع إلى القول إنه يعلم أنهم كلفوا مجموعة من كبار قومهم بإعداد جميع الدراسات اللازمة وينظمون ورشم عمل ولديهم مشروع جديّ بهذا الخصوص. أجيب أم لا؟ أنقذني الهاتف كعادته فهربت إليه وأطلت الحديث الجانبيّ حتى وصلنا إلى مقصدنا، لكن سجالات اليومين الماضيين تسمح بالإجابة الآن.

عام 2005 كان عمري 22، وكنت في أوج حماستي السياسية، وفي 7 أيار من ذلك العام كنت أقف في ساحة الشهداء “أعيش اللحظة” معتقداً أن العماد عون سيطلب إلينا فور إطلالته على المسرح أن نتوجه صوب المتن لاقتياد أبو الياس – باعتباره رمز النظام في مناطقنا إلى قصر نورا أو أي قبو من المراكز الأمنية التي كان المر يأمر باقتيادنا إليها كلما هتفنا ضد الجارة. لكن مر ذلك النهار على خير وبعيد أشهر قليلة كنت أقف أمام مدخل مركز الاقتراع في الزلقا جنباً إلى جنب إبن رئيس بلديتها لتوزيع القائمة نفسها على الناخبين، بعدما ترشح المر إلى جانب التيار بعيد “تخريجة” تلفزيونية سريعة. الشاب – ابن الريس – كان هو نفسه من تعاركت معه قبل عام في انتخابات 2004 البلدية فأرسل وراء فهود المر لاقتيادنا على عجل إلى إحدى الثكنات. كنت هناك أنظر إلى نفسي غير مصدق قبل أن تتالى الصدمات: يعطيك النائب يوم الإثنين ملفاً موثقاً بالمستندات عن فساد أحد رؤساء البلديات، ولا تلبث أن تراه يتغدى معه الثلاثاء ويسألك يوم الأربعاء عن سبب هجومك المتكرر على “الريس الآدمي”. تسأل أحد النواب العونيين بعد أشهر قليلة من تولي الوزير جبران باسيل وزارة الطاقة عن فلان وعلتان من الموظفين الذين سبق وأعطاك النائب نفسه ملفات موثقة عن فسادهم فيخبرك أنهم ترقوا أو … جددت عقودهم.

في لحظاتي الثورية؛ حين كان عمري 22، كان يمكن أن ألاقي صديقي في منتصف الحديث و”أشدّ على مشدّه”. أما اليوم “فبلكاد” يمكنني سماعه والتبسم والتفكير بإجابته. ثمة علاقة مدهشة بين النضوج يا صديقي والإحباط. قبل الحديث عن مكافحة الفساد، فلنحدد بسرعة هائلة المكامن الضخمة للفساد في لبنان:

  1. مجلس الإنماء والإعمار الذي يشغل شقيق الرئيس نبيه بري منصب نائب الرئيس فيه، ولا يخرج “سنت” من خزائنه دون موافقة رئيس المجلس سواء كان سيذهب لجهاد العرب أو غيره.
  2. المصارف التي ليس لحزب الله القدرة من قريب أو بعيد على الاقتراب منها أو من مصرف لبنان الذي يمثل الرئيس نبيه بري الراعي والحامي لحاكمه وله (بري) اليد الطولة في ما خص بنك إنترا المسؤول الرئيسي عن كازينو لبنان وشركة طيران الشرق الأوسط وكل لجان وهيئات وموظفي المصرف.
  3. الصناديق واللجان والهيئات التي يتقدمها صندوق الرئيس بري أو ما يعرف بصندوق الجنوب.
  4. فائض الموظفين في القطاع العام، وهؤلاء بأكثريتهم المطلقة من أنصار الرئيس نبيه بري ومحبيه وعشاقه ورماة الحجارة على المتظاهرين في حركته، إضافة إلى أزلام النواب المسيحيين السابقين الذين لا يفوت الرئيس نبيه بري وسيلة لإبقائهم على قيد الحياة السياسية.
  5. التهريب عموماً وعبر المرفأ والمطار خصوصاً حيث يعرف حزب الله جيداً من يهرب وكيف وأين تباع المواد المهربة.
  6. كهرباء لبنان، التي يعرف حزب الله أيضاً من كان الوزراء الذين تسببوا بإفلاسها وحالوا دون قدرتها على تطوير قدراتها لتنتج بنفسها الكمية اللازمة لها من الكهرباء، كما يعرف من يدفع ولا يدفع لها مستحقاتها.

ما سبق لا يعني أبداً ولا بأي شكل من الأشكال أنه لا يوجد في البلد غير الرئيس نبيه بري. توضيحاً وتأكيداً: لا أبداً. هناك الكثير طبعاً لكني عددت ما سبق لأن من يريد تنظيف الشارع إنما يبدأ بتنظيف بيته فمدخل البيت، وهو ما يدفعني إلى التعامل بخفة مع كل ما يشيعه حزب الله عن نيته مكافحة الفساد مع الحفاظ في الوقت نفسه على أفضل العلاقات مع حركة أمل. أخذ التيار الوطني الحر وقتاً ليتكشف بعد عام 2005 أن التغيير والإصلاح مستحيل بعد التحالفات النيابية التي أضطر إلى إجرائها، والتحالفات السياسية منذ مشاركته في أول حكومة.

لقد عشت تلك التجربة كاملة. ما لم يقرر الزعيم إرسال زلمته إلى الحبس لأسبابه الخاصة، يستحيل سجن فاسد واحد في هذه الدولة أو حتى محاكمته. أين في العالم كله تجدون شاطئ كهذا الشاطئ، وكسارات كهذه الكسارات، واعتداءات لا تصدق على الغابات والأنهر، ودين عام كهذا الدين العام، وأقساط مدارس وجامعات كأقساط مدارسنا وجامعاتنا، ونهب منظم للمشاعات، وكهرباء كهذه الكهرباء، وبناء عشوائي يكاد لا يوجد بناية واحدة فيه على امتداد الخارطة غير مخالفة، وبلديات كهذه البلديات، وبنية تحتية كهذه البنية التحتية رغم المبالغ الخيالية التي دفعت للمتعهدين والمقاولين والاستشاريين المكلفين بمراقبتهم ولا تجدون في المقابل شخص واحد متهم رسمياً بالفساد.

ما كاد الحزب يلمح توتر شعبي شيعيّ – شيعيّ أمس حتى كوع في الشكل والمضمون في ما يخص الباخرة؛ ولا تسألوا عما سيفعله غداً أو بعده في ما يخص المشروع الجديد لردم شاطئ صور الذي تستعد بلديتها لإطلاقه (راجعوا Refresh Tyre). اليوم الحزب يعارض المشروع بالمبدأ لكن فور رؤيته “خناقة” بين مغردين سينعطف ويقول إن من يعارض ردم البحر صهيونيّ إمبرياليّ شيطان.

مكافحة الفساد؟ هل يمكن حزب الله تحمل تبعات طرد موظف واحد في القطاع الرسمي ممن لا يتقاضون أجورهم دون ذهاب إلى العمل؟ هل يتحمل تبعات إعادة مترين فقط من ألاف أمتار المشاعات الجنوبية التي يقال إنها وضعت بتصرف أشخاص نافذين خلال الأعوام الأربعة الماضية (وحتى لا نتهم باتهام أحد – دون مستندات – بالتفريط بمشاعات الدولة، سيسرنا جداً أن ننشر كل ما يمكن أن توفره لنا وزارة المالية من مستندات تبين بوضوح توزع مشاعات الجنوب عام 2010 ووضعها اليوم). هل يتحمل حزب الله تبعات مداهمة القوى الأمنية لمستودع واحد للهواتف الخلوية المهربة والأدوات التكنولوجية؟ هل يتحمل تدقيق جمعية واحدة بمداخيل ومصاريف بلدية واحدة من بلدياته الكبيرة كبلدية البرج مثلاً، ولا سيما المبالغ الهائلة المرصودة للجمعيات التي نعرف كما يعرف كل أهالي البرج أنها لا تفعل شيء؟ أنا أقول لكم، لو كانت إدارة التبغ والتنباك موضوعة بتصرف المستقبل أو المر أو العونيين لسمعنا شهرياً عشرات الهجومات المتفرقة على مذهبيته وعدم عدالته وتكلفة مشاريعه الإنمائية وتوزعها الجغرافيّ وهوية متعهديه الرئيسيين، فهل يتحمل الحزب فتح ملف الريجيه ليعرف الرأي العام كيف توزع التراخيص ويحصل التوظيف وتدعم المشاريع هنا وهناك.

لا طبعاً، لا جازمة على كل ما سبق تعداده. ليس حزب الله فقط من لا يتحمل المضي قدماً بملف واحد من الملفات القليلة التي سبق تعدادها. أنا بوضوح وصراحة تجاوزت عمر الثورة و”التصديق” وبت أعرف هذا البلد جيداً. فضائح المساعدات البلدية، الاعتداءات على الشاطئ، مافيات المولدات، هذه كلها أمور صغيرة وصغيرة جداً لكن لا أحد من القوى السياسية بما في ذلك حزب الله يجرؤ على الاقتراب منها لعدم إزعاج أصغر مختار في أصغر قرية لبنانية. هكذا تجري الأمور مع الأسف الشديد، فلا تسألوا عن حال الملفات الكبيرة. وهاكم موضوع صغير رمزيته كبيرة: على طول أوتوستراد كسروان ثمة مشهد فائق البشاعة يتمثل بالدكاكين الصغيرة على جانبي الطريق؛ وهي بالمناسبة تخالف عشرات القوانين لا قانون واحد، لكن من يجرؤ على منعها جميعها أو أقله منع السيارات من التوقف خلافاً للقوانين أمامها؟ لا أحد. بمجرد أن تتحرك القوى الأمنية باتجاهها سيتحرك أصحابها باتجاه بيوت السياسيين ليجري هؤلاء الاتصالات اللازمة بالداخلية لتعود القوى الأمنية من حيث جاءت. يعلم السياسيون أنهم يقفون “ع شوار” وتخليهم عن أي واحد من شبكة المستفيدين يمكن أن يطيح بهم جميعاً بشكل كامل.

المشكلة أن جميع أفرقاء الطبقة السياسية – ولا يخبرنا أحد أن حزب الله ليس ركناً أساسياً فيها – يعتقدون أن استرضاء أو تغطية معتدي واحد على الشاطئ هنا أو هناك أفضل من طرد هذا المعتدي وتنظيف الشاطئ ووضعه بتصرف عدد هائل من المواطنين. ثمة نظام سياسي يؤمن أن الخدمة الشخصية لا الخدمة العامة هي الوسيلة الوحيدة لاستمراريتهم السياسية. تقول لهم سد فيسألون عن حصة فلان وعلتان من “النباريش” التي ستخرج منه ومصير أصحاب “السيتارنات”. تقول لهم معمل أو باخرة لانتاج الكهرباء 24/24 فيسألون عن أصحاب المولدات وشركات البترول. تقول لهم مجرى نهر فيسألون أين سيغسل فلان بقراته وعلتان عجوله.

صديقي العزيز؛ هربت إلى الابتسامة يومها لكني سأجيبك الآن: أنا أيضاً – مثلك – أحب حزب الله لكن، لا! لا يمكنه فعل شيء في مواجهة الفساد، وكان يفترض بحزب الله أن يسألوا النائب حسن فضل الله عما حصل بملف الاتصالات الذي فتحه قبل عامين، قبل أن يكلفوه بملف مكافحة الفساد أو غيره. نقاط ضعف حزب الله هنا كثيرة؛ أولها وحدة البيت الشيعي، ثانيها أزمته المالية الخانقة التي لا تخوله التعويض على من يمكن أن تشملهم حملات التنظيف، ثالثها استفادة جزء واسع وواسع جداً من بنية الحزب الرئيسية من نظام الفساد اللبنانيّ إلا إذا كان الحزب يعتبر أن الأوضاع في بلدياته والشركات التي تدور في فلكه وغيرها وغيرها تلتزم بالقوانين بشكل كامل ويمكنه أن يتوسط لنا عند ثلاث بلديات فقط من بلدياته الكبيرة لإعطائنا ميزانياتها التفصيلية طالما لكل مواطن الحق بالحصول عليها.

مكافحة الفساد؟ هذا غير وارد ما لم تعصف لحظة ثورية استثنائية بالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون وربما غيرهما: مع حكومة وحدة وطنية تتخذ قراراتها بالإجماع لا مجال لمحاربة الفساد. مع تفكير بوحدة البيت الطائفي لهذه الطائفة أو تلك لا مجال لمحاربة الفساد. مع خشية على مصالح أبناء الطائفة والسؤال لماذا نبدأ من هنا وليس من هناك لا مجال لمحاربة الفساد. بلا طول سيرة، لا مجال لمكافحة الفساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق