المحلية

« أنت لستَ مسلماً يا أخي »

ثمة فارق كبير بين موقف شيخ الأزهر الذي رفض قبل أيام تكفير «داعش» بدعوى أنهم يؤمنون بالله وبين موقف أحد المارة في مترو الأنفاق في بريطانيا الذي هاله تصرّف شاب مسلم أراد القيام بمحاولة طعن بسكين هاتفاً «هذا من أجل سورية»، فما كان من الأول إلا أن صرخ غاضباً في وجه الطاعن: «أنت لستَ مسلماً يا أخي»، وهو وسمٌ انتشر على «تويتر» بشكل كبير بين البريطانيين.

تصريحات من نوع دعوة دونالد ترامب لمنع المسلمين من دخول أميركا، أو تصريحات توني أبوت، رئيس وزراء استراليا السابق، الذي قال إن «الحضارات ليست متساوية»، وإن على الغرب إعلان تفوقه على الإسلام الذي «يعاني مشكلات كبيرة» يصدّها بشكل أكبر منهج الاعتراف والوضوح «انت لست مسلماً يا أخي» وليس منهج التردد والمواربة والالتباس «لا نكفرهم لأنهم يؤمنون بالله»!

الخطير أنه على رغم الانتقادات التي وجهت لدونالد ترامب من قبل أوباما وهيلاري كلينتون والبنتاغون وليندسي غراهام ورئيس الوزراء الفرنسي فالس وغيرهم، فإن ترامب لا يزال أبرز المنافسين لنيل ترشيح الجمهوريين لخوض السباق الرئاسي.

حلُّ «داعش» بيد العرب وليس بيد الغرب، والحلول العسكرية والأمنية مهمة لكنّ الحلول السياسية والثقافية والتنموية هي الأكثر ديمومة وجذرية. وبدلاً من الاكتفاء بملاحقة البعوض ينبغي تجفيف المستنقع، وهو ليس «داعش».

لنتذكرْ أنّ التقدم الذي أحرزته الحضارة العربية الإسلامية قديماً كان أحد أسبابه الرئيسة أنّ وعي المجتمعات كان متقدماً على وعي المؤسسة الفقهية، ولم يكن أسيراً لها، ولذا يبدو ضرورياً اليوم أنْ نثبت كمجتمعات لأنفسنا وللعالم عبر منهج «أنت لست مسلماُ يا أخي» بأنّ المتطرفين هم أقلية معزولة ومنبوذة بيننا ولا تنطق باسمنا، وأنّ أكثر ضحايا «داعش» وسواه من المسلمين، وأنه عدوٌ لنا يشوّه سمعتنا ويضيّق على فرصنا في العالم ويجعلنا في مواجهة أهلنا وجيراننا ومجتمعاتنا والعالم، مع التأكيد بأن زراعة التطرف والإرهاب سمادها، ليس فقط التأويلات العنيفة والمتطرفة للنصوص الدينية، بل قبل ذلك وبعده الظلم والتهميش والتفكك الاجتماعي وفساد التعليم وانتشار الاستبداد وضعف الثقة بين الدول العربية ومجتمعاتها وشعور الأجيال الصاعدة في غير قطر عربيّ بأن مستقبلهم بالعيش الكريم وبالفرص المتكافئة غير مضمون، هذا مستنقعٌ يستولد «داعش» والمتطرفين والمجرمين والطاعنين وفاقدي الأمل والطموح والباحثين عن العنف والجريمة وسيلةً للاحتجاج وتحقيق الذات القاحلة وامتلاك المعنى والهوية. هذا الاغتراب الذي سببه بؤس السياسة والاجتماع وفسادهما يأتي من يستغله ليقول للشباب الغض «طوبى للغرباء»!، مقدّماً لأسباب الجنوح غطاء إيديولوجياً يُوصل إلى التفخيخ وقتل النفس والآخرين، وبعد هذا نقول «إنهم يؤمنون بالله»!.

محمد برهومة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق