المحلية

أهل السنة.. ضرورة فك الارتباط بالحاكم

يكثر الحديث هذه الأيام وبعد الفتنة المذهبية التي أججتها السعودية الوهابية أو “الاسلام الاميركي” كما يصفه الامام الخميني (رض) والتي دفع المسلمون وغيرهم من ابناء شرقنا دماءا بسببها.. يكثر الحديث عن “أهل السنة والجماعة” والتحالف بوجه المدّ الصفويّ الرافضيّ المجوسيّ، حتى بلغ من الأمر ان يصبح “النجس” بنيامين نتنياهو وعصابته “حليفا” لأهل السنة و”مدافعا” عنهم بوجه ايران الرافضية!!

قبل كل شئ، لا بُدّ أن نرى ما المقصود بأهل السنة والجماعة وكيف ظهر هذا الوصف ومن أوجده ولماذا ومن يصادره اليوم؟

كلنا ـ كمسلمين وباختلاف مذاهبنا وفرقنا ـ نعرف ان كبار الصحابة اختلفوا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حول من يخلفه في زعامة الدين والدنيا.. وكلنا يعلم أيضا وجود نصوص قرآنية وحديثية وشواهد تاريخية تشير الى أفضلية الامام علي (عليه السلام) بين جميع الصحابة وأن ما جاء في مدح الصحابة كان بصفة العموم التي تشمل آل البيت (عليهم السلام) ايضاً..

ومن النصوص والشواهد: آية التطهير وآية المباهلة وآية الولاية (التصدق بالخاتم) وسورة الانسان وآية المودة… ومن الروايات: حديث الغدير وحديث الثقلين وحديث الكساء وحديث القتال على التأويل وحديث المنزلة وحديث مدينة العلم… وهناك المؤاخاة وما وصف به الأمام من قبل رسول الله (ص) في معارك بدر وأحد والخندق وخيبر… وجميع الشواهد التاريخية والحديثية التي تدعم تلك الآيات والروايات والمواقف، وهي أكثر من ان تحصى وقد ملأ نورها الخافقين…

ودون الخوض في التفاصيل، فقد تمّ الانقلاب في سقيفة بني ساعدة والنبي (ص) لم يدفن بعد.. واصبحت الخلافة (الفلتة حسب تعبير الخليفة الأول) بيد غير الامام علي (ع) وهو يعتقد ان حقه مغتصب، لكنه لم يقاتل أحدا على ذلك وهو ليث العرب وفارس الاسلام وقاتل صناديد الكفار وابطالهم، بل قدم الاستشارة والنصح ودعم مشروع الدولة الاسلامية على مدى 25 سنة من حكم الخلفاء الثلاثة.. حتى تحولت الخلافة اليه وجاءته جماهير المهاجرين والانصار والأمصار تريده هو دون غيره…

وهنا قامت نائرة الحاسدين والطامعين والأغبياء الجاهلين.. فشنوا على دولته التي اعادت الاسلام المحمدي الأصيل ثلاثة حروب، قادت الأولى منها أحدى أمهات المؤمنين التي أمرت بعدم الخروج من بيتها ومعها أثنين من علية الصحابة.. من الذين نكثوا البيعة وطلبوا الفتنة، حسب تعبير الامام علي (عليه السلام).. ثم جاءت حرب القاسطين والتي قادها الطليق وابن الطليق معاوية بن ابي سفيان الذي كان وابوه رأسي الكفر في مواجهة الاسلام.. وكانت الثالثة مع المارقين الاغبياء (الخوارج) الذين لم يعرفوا من الدين الاّ ظاهره، فخدعهم عمرو بن العاص في قضية رفع المصاحف وما انتهى اليه التحكيم…

ومع استشهاد الامام علي (ع) واقل من ستة شهور من خلافة الامام الحسن بن علي (عليه السلام) تنتهي الفترة التي عرفت بالراشدة وليبدأ الملك العضوض على يد معاوية بن ابي سفيان راس البيت الاموي حينها، وبحسب الخبر الوارد عن النبي (ص)…

ومنذ ذلك، الحين انقسم المسلمون الى ثلاثة اقسام:

1. شيعة علي وأهل البيت (عليهم السلام) اي حزبهم ومواليهم عقيدة وفقها ومشاعراً.. ومن هنا ظهر مصطلح الشيعة الذي يعود الى زمن النبي (ص).. واتخذت الشيعة اسماء متعددة، منها: “العلوية” و”الرافضة” وفرق كثيرة انتشرت في بلاد المسلمين وكان لبعضها دول وامارات..

لكنهم بقوا اقلية ومن الطبيعي ذلك لان السلطة كانت بيد اعدائهم الذين لم يبخلوا عليهم باي طريقة في التنكيل والقتل.. من السجن والصلب الى التسميم والبناء في الجدران الى قطع العطاء والترحيل و… وقد طال هذا القهر والعنف حتى ريحانة رسول الله (ص)…

2. السلطة الحاكمة وحزبها واعوانها والتي امتدت من بني أمية وبني العباس حتى الدولة العثمانية.. وهؤلاء كأي سلطة سياسية تشعر بالضعف امام معارضة شرعية ومقبولة حجتها دينيا وجماهيريا، لذلك تمترسوا بالجند والوعاظ، لقمع المعارضين وتزييف الحقائق والتاريخ.. ولولا ان القرآن كان محفوظا من الله عزّ وجلّ لما سلم من ايدي مرتزقتهم والوضاعة (المضيريون!)..

فظهرت مئات الألوف من الاحاديث والروايات في شتى المجالات والمستويات وكلها تشرع للحاكم فسقه وفجوره واغتصابه لمنصب خلافة رسول الله (ص) سيد الانبياء والمرسلين، فعمد بعضها الى التقليل من شأن أهل بيت النبوة (ع)، بل ووصل الأمر الى التقليل من شأن ومنزلة النبي (ص) نفسه.. لكي لا ينصدم المسلمون بسيرة “خلفائه!!” الذين كانوا يشربون الخمر ويلاعبون القرود وينادمون المخنثين والجواري، ويقتلون الصالحين ويسجنون ويظلمون…
وهؤلاء القريبون من الحكام والملاصقون لهم والذين عرفوا بالعداء لاهل البيت وهم قلة قليلة جدا، عرفوا بـ”النواصب”، ومنهم الوهابية في هذا الزمان من اتباع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، الدين الحاكم في المملكة السعودية.

3. عامة المسلمين وغالبيتهم، بشتى مذاهبهم واتجاهاتهم الكلامية والتي عمد الحكام على الدفع باتجاهها واقتتالها لتكون بديلا عن مذهب أهل البيت (ع)، وهؤلاء لم يتعمدوا الابتعاد عن أهل البيت (ع) بل ابعدوا عنهم وفق عمليات التزييف والتضليل الممنهج والتراكم المعرفي والاجتماعي الذي كرسته السلطات الحاكمة باسم الاسلام..

لكن عمق النصوص الدالة على منزلة أهل البيت (عليهم السلام) والمحبة التي أودعها الله لهم في قلوب المؤمنين وصفاء الفطرة ونقاء السريرة جعلت هذه الاغلبية تهوى آل البيت (ع) وتعظمهم وتكرمهم رغما من ماكنة التزييف، لان بغض أهل البيت من علامات الكفر والنفاق، بنص الحديث الصحيح عند اخوتنا أهل السنة.

وهؤلاء بأختصار همّ أهل السنة، اي خيل المسلمين الذين تربوا على تعاليم السلطان لكنهم يجلّون ويحترمون أهل البيت (عليهم السلام).. ورغم ان الحديث الذي نسبة اليه جاءت التسمية “بالسنة” ضعيف، وان حديث “اني تارك فيكم ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا (بعدي ابدا): كتاب الله وعترتي (وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)” هو الصحيح في مصادر الاخوة أهل السنة، الاّ ان هناك اصرارا ـ لا نعرف سببه؟! ـ على تبني الرواية الضعيفة التي تستبدل العترة بالسنة!..

ومن هنا اصبحت “السنة” وكانها في مقابل العترة الطاهرة أو هكذا أرادوا لها.. في حین أن الامانة العلمیة كانت تقضي اعتبار العترة في صمیم ومركز السنة ایضا .. لانهم أهم من حمل سنته (ص) وكانوا من أفضل وأقرب صحابته…

هذه العلاقة مع السلطة الحاكمة، خلقت المشكلة الاساسیة عند اخوتنا السنة والتي تكمن في نظرتهم للحاكم وتقدیسهم غیر المبرر له، فهو بالنسبة لهم، ولي للامر براً كان أم فاجراً ( علی خلافنا نحن الشيعة الذین نشترط العصمة في الامام أو ان يكون بتعبير الفارابي الرئيس المماثل، اي اقرب الناس الى المعصوم)، بل ذهب أخوتنا السنة الى أبعد من ذلك عندما أجازوا تبعیة الفاجر المسلم والكافر العادل وحرموا الخروج علیه، “حتی لو ضرب ظهوركم بالسوط”.. وقد نظّر فقهاء السلطان لهذا الامر حتی ضاع الحق واستبدل المحكم بالمتشابه!

الحقیقة ان المشكلة هذه كانت ذا بعد واحد عندما كان الاسلام امبراطوریة وكان الامبراطور المسلم هو من یفرض ارادته علی الأمم الاخری.. كانت المشكلة حینها فسق الحاكم وظلمه وفجوره وشرعية او عدم شرعية الخروج عليه.. لكن مع فترة الاستعمار وتحول النظم الحاكمة في العالم الاسلامي الی تبع وعملاء وذیول للغرب، صار علی المسلمین وفي مقدمتهم علمائهم ان یفكوا الارتباط بهؤلاء الحكام ویسلبوهم صفة “ولي الامر”.. فهل من المعقول ان یكون ولي الامر متآمرا علی المسلمین في فلسطین المحتلة مع الصهاینة وينسق أمنيا معهم؟!! .. وهل من المعقول ان یكون “ولي الامر” عمیلا لصهاینة البیت الابیض والالیزیة لقتل المسلمین في العراق وباكستان وافغانستان وليبيا وسوريا واليمن، بعد تكفیرهم؟!

ان الزعامات الدینیة الاسلامیة السنیة، لابد ان تحدد موقفها وبوضوح دون تسویف ومواربة عن ما یدور من تحالف بین الانظمة التي تدعي انها تمثل اهل السنة (بل هي ولاة امورهم حسب فقهاء السلطان) وبین الكیان الصهیوني.. الا یكفي عارا ان تستلب وتغتصب فلسطین (السنیة) علی مرأی ومسمع من ملیار وثلاثمائة ملیون مسلم سني.. ولا یدافع عنها الا بعض السنة والرافضة و”الملاحدة” القوميين واليساريين؟!!…

این محمد علي باشا ومحمد علي جناح وسعد زغلول واحمد عرابي باشا وعمر المختار وعبد القادر الجزائري والمهدي السوداني وعز الدين القسام وعبد العزيز البدري وحسن البنا… من ابطال وزعامات اخوتنا أهل السنة الذین قاتلوا المستعمرین ولم یتولوهم.. تعالوا بارواحكم ومن علیائكم لتروا كیف هم “اخلافكم” اذلاء لامیركا وبریطانیا وفرنسا…

لتروا الی این وصل الأمر بالصهاینة وقادة كیانهم اللقیط الذي أسسوه بعد ان باعه الحكام العرب (“السنة”) وتصالحوا علیه من أجل البقاء في الحكم.. صار الصهیوني یتحدث عن مصالح أمتكم ومذهبكم في مواجهة المد الایراني الشیعي!.. وكأن عليا (ع) من أمة وابابكر وعمر من أمة اخری؟!

تعالوا لتروا الامة الجدیدة التي اجتمع فیها نتنیاهو وباراك اوباما وساركوزي ومیركل وهنري لیفي وكامیرون مع رجب طیب اردوغان وسلمان وحمد وآل نهیان وعبدالله الثاني.. امة فقهاؤها واحبارها الحاخامات آرتسي ولیئور وغلیك وفیجلین وآل الشیخ والفوزان والعرعور والقرضاوي وبعض الادعیاء في الازهر.. لعنة الله علیهم اجمعین!

علاء الرضائي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق