المحلية

إستراتيجية الأمن القومي الأميركي 2015 : استمرار “الأوبامية” – حسام مطر

صدرت البارحة “إسترايجية الأمن القومي” الإميركي للعام 2015، وهي تستعرض رؤية إدارة أوباما لواقع أميركا الحالي وللنظام الدولي وأبرز التحديات والخطوط العامة للسياسة الأميركية فيما تبقى من ولاية أوباما. تتألف الإستراتيجية من 32 صفحة، يفتتحها أوباما بفذلكة الإستراتيجية، ثم هناك مقدمة، وأربعة عناوين أساسية: الأمن، الرفاه، القيم، النظام الدولي، ثم الخلاصة.

يشير أوباما في فذلكة التقرير الى أن أميركا اليوم هي أقوى في “عالم غير آمن”، هي أقوى بسبب نمو القوة الاقتصادية (ركيزة القوة الأميركية)، التمكن من الخروج من الحروب البرية الكبرى في العراق وأفغانستان، وتجديد التحالفات في آسيا وأوروبا. يعدد أوباما التحديات التي تواجها أميركا، وهي لم تشهد إلا إضافة “العدائية الروسية”، فيما تحضر العناوين المعتادة أي الهجمات الإرهابية، الأمن السايبري، التغير المناخي، والأوبئة. هنا يعود أوباما كما دائماً للتأكيد على أن أميركا هي المؤهلة لقيادة العالم لمواجهة هذه التحديات، فالسؤال ليس حول إمكانية ذلك بل كيفيته.

الإجابة عن الكيفية تتكفل بها مقدمة التقرير:

– القيادة من خلال الأهداف، أي لحماية أميركا ومواطنيها، تجنب أزمة في الاقتصاد الدولي، منع امتلاك او استخدام اسلحة الدمار الشامل، التغير المناخي، منع خلل كبير في سوق الطاقة، التحسب لآثار ظهور الدول الفاشلة والضعيفة.
– القيادة بمتانة من خلال تعزيز عناصر القوة الأميركية الداخلية.
– القيادة من خلال تقديم نموذج يستحق الاقتداء، وهذا حديث دائم مرتبط بما يعرف بالقوة الناعمة.
– القيادة من خلال شركاء قادرين، أي التأكيد مجدداً على أنه حان الوقت لأن يشارك الآخرون في تحمل المسؤوليات خلف واشنطن والتخلي عن حالة “الراكب المجاني”.

– القيادة من خلال كل عناصر القوة الأميركية ( العسكرية، الدبلوماسية، العقوبات، التنمية، الاقتصاد، الاستخبارات، العلم والتكنولوجيا)، أي الاستمرار في الحد من دور القوة العسكرية في السياسة الخارجية الأميركية لصالح توليفة هجينة.

– القيادة بمنظور بعيد الأمد، من خلال مراقبة تحولات القوة حول العالم، وإدراك أن عملية التنافس في الشرق الأوسط ستبقى قابلة للاشتعال لا سيما حيث للمتطرفين الدينيين جذور أو حيث هناك “حكام يرفضون الإصلاح الديموقراطي”. يدرك التقرير أن “البيئة الإستراتيجية” الدولية اليوم تعاني من السيولة، ولذا لا بد من اعتماد مجموعة من الأولويات المتتوعة والمتوازنة بدل تركيز السياسة الخارجية الأميركية على إقليم واحد أو تهديد وحيد.

يعود أوباما في فذلكته للتأكيد على جملة ثوابت معهودة، حيث الأولوية للعمل الجماعي والتحالفات وليس للعمل الأميركي الأحادي الا عند الضرورة ( اي حصول تهديد لمصالح أميركية جوهرية)، استكمال إعادة التوازن في آسيا والباسيفيك بوجه الصين من خلال تمتين ونسج تحالفات في المنطقة لا سيما مع الهند. ويستدرك أوباما بالقول إن التعاون حالياً مع الصين بلغ مستوى غير مسبوق ولكن يجب التنبه الى عملية التحديث العسكري للصين. ثم يشير الى توسع الاستثمارات الأميركية في أٌفريقيا، والانفتاح على كوبا كجزء من الانخراط الأعمق مع المحيط الحيوي في الأميركتين.

في موضوع إيران، يشير أوباما الى محاولة جدية للوصول لتسوية شاملة تضمن “سلمية البرنامج النووي الإيراني”. في موضوع الإرهاب يشير الى ضرورة معالجة جذور الإرهاب وليس فقط الاكتفاء بإزالة العوارض. بعدها يكرر أوباما المعزوفة المعروفة عن دور أميركا في قيادة النظام الدولي ونشر القيم والديموقراطية وأداء دور النموذج، ولذا يدعو للتشدد في معايير استخدام الطائرات بدون طيار، وحماية الحريات المدنية (بعد فضائح التجسس).

في ختام كلمة أوباما يشير الى مبدأ “الصبر الإستراتيجي” وهو ما يمكن تفسيره بالاستثمار في بناء عناصر القوة الأميركية بدل القفز مباشرة الى الصراعات حول العالم ومحاولة تحقيق نتائج سريعة.

على مستوى الأمن، يفتتح الحديث عن مواجهة القاعدة وداعش وتمتين الشراكة داخل الناتو. تتنوع عناوين هذا الجزء من تقوية وتحديث الدفاع الوطني الأميركي (ضد الهجمات الصاروخية، والسايبرية والإرهاب)، تعزيز أمن الأراضي الأميركية، بناء قدرة لمنع اندلاع الصراعات اي العمل استباقياً لمنع دول مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية من إبداء العدائية من خلال الدبلوماسية وتعزيز الالتزام الأمني مع الحلفاء وفرض تكاليف على هذه الدول. وعلى مستوى الحروب المحلية، يجب العمل على معالجة “المظالم” التي تنتج الحروب من خلال التنمية والتعليم مثلاً.

وفي ذات الشق الأمني يُستكمل الحديث عن أسلحة الدمار الشامل التي جرى التخلص منها في لبييا وسوريا، أما مع إيران فالخيار الحالي أي التفاوض لضمان برنامج سلمي فهو ما يخدم المصالح الأميركية مع التأكيد أن الخيارات الأخرى ممكنة إن حاولت إيران صنع سلاح نووي. ثم يجري الحديث عن مواجهة التغير المناخي، وأمن الفضاءات المشتركة ( السايبر، الفضاء، البحر والجو) والأمن الصحي العالمي.

كما تدعو الإستراتيجية الى مواجهة التهديدات الإرهابية الماثلة من خلال العمل مع الحلفاء لمعالجة أسباب ظهور القاعدة وداعش (الفقر، الجهل، التطرف، اللامساواة …الخ) في باكستان والصومال وأفغانسان تحديداً. أما في العراق وسوريا فيجري التأكيد على الدور الأميركي الحالي في تدريب القوات العراقية ودفع العملية السياسية. وسورياً يعود الحديث عن تدريب المعارضة السورية “لتأمين وزن مقابل للإرهابيين ووحشية نظام الأسد”.

في شق “النظام الدولي”، يتحدث التقرير “بحزن” عن تفاقم الصراع المذهبي في المنطقة، كنوع من التنزيه الذاتي. ثم يجري تكرار الحديث عن المساعدة في حل “المظالم السنية”، حل الدولتين، مساعدة بعض الدول لمواجهة المرحلة الانتقالية (اليمن – تونس – ليبيا – مصر)، التأكيد على الحرص على التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي، والاستثمار في قدرات الحلفاء من إسرائيل والاردن والخليج لمواجهة “العدوان” من دون ذكر إيران بصورة صريحة.

بالخلاصة يمكن القول إن أوباما أعاد التأكيد على منهجه في السياسة الخارجية والإصرار على الاستمرار بدور حذر في المنطقة وعدم التورط المباشر في حروبها رغم الانتقادات التي توجّه لإدارته. الإستراتيجية الجديدة تعكس الإدراك الأميركي المستمر لحدود القوة الأميركية كما عبرت “نيويورك تايمز”. لا جديد في النسخة الحالية إلا الحديث الواضح عن “عدوانية روسيا” وداعش وتلطيف الخطاب تجاه إيران. على الأرجح سيزداد بعض حلفاء أميركا في المنطقة اكتئاباً بعد قراءة الإستراتيجية وتزداد المقالات التي تحمل أوباما مسؤولية انتكاساتهم. ربما هي فرصة جديدة ليدرك هؤلاء أن أوباما يعمل في خدمة بلاده لا بلادهم، لربما تصيبهم العدوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق