المحلية

اختيار سمير جعجع مرشح تحدي. عبد الرحيم مراد

1609952_10152117991463034_4613723278337492805_n

عندما عين رئيس مجلس النواب اللبناني يوم 23 نيسان موعداً لانتخاب رئيس للجمهورية، شُدَّت الأنظار إلى هذا اليوم، واعتقد البعض أن هذا اليوم سيكون جزءًا من التفاهمات الإقليمية والدولية التي أنتجت الحكومة الحالية، وسهلت تنفيذ الخطة الأمنية، وإصدار سلة تشريعات بسرعة فائقة.
لكن أمل اللبنانيين خاب عندما وافق فريق 14 آذار على ترشيح سمير جعجع نفسه كمرشح وحيد لهذا الفريق والذي اعتبر مرشح تحدٍ لأكثرية الشعب اللبناني، وليس مرشحاً يعكس إجماعاً وطنياً.
فالانتخابات الرئاسية في لبنان تتميز بكونهاً استحقاقاً دستورياً يساهم في بناء مؤسسات الدولة الوطنية. وإذا كان لبنان لا يعتمد انتخاب رئيس جمهورية مباشرة من صاحب السلطة الأصيل الذي تنبثق عنه كل السلطات ألا وهو الشعب فإنما يتولى ذلك وكلاؤه النواب الذين ينتجهم قانوناً عبر الانتحابات العامة. وإذا ما تفحصنا القانون الانتخابي الذي أنتج هؤلاء الوكلاء نجد أن عيوباً كثيرة تعتري هذا القانون وفي مقدمتها عدم تحقيقه صحة التمثيل الشعبي، فإذا ما جمعنا عدد الأصوات التي نالها الفريق الوطني المقاوم في الانتخابات النيابية الأخيرة يتبين بأنه هو صاحب الأكثرية الشعبية بينما الفريق الآخر يمتلك أكثرية نيابية دون أن يعكس ذلك نيله لأكثرية شعبية، وبعد الانسحابات الكثيرة من هذا الفريق إلى ما يسمى الكتل الوسطية تحوَّل هذا الفريق إلى أقلية نيابية إضافة إلى كونه أقلية شعبية، وهذا ما عبرت عنه الجولة الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية.
والخطيئة الكبرى التي ارتكبها فريق 14 آذار هي تبنيه لترشيح سمير جعجع صاحب السجل الأسود في انتهاك السيادة والاستقلال ونسج علاقات مع الكيان الصهيوني طيلة فترة الأحداث اللبنانية بالإضافة الى ما ارتكبه من جرائم عبر التصفيات الجسدية لقادة كبار على رأسهم الرئيس العروبي الشهيد رشيد كرامي، واغتياله للنساء والأطفال خلال هذه التصفيات. وإذا كان قانون العفو عنه لم يمنعه من تقديم ترشيحه إلى موقع الرئاسة إلا أن ما تركه سلوكه الإجرامي والخياني على الحياة الوطنية هو أهم من صياغة نصوص عفو جاءت في مرحلة تحوِّل، فإن ذلك كله لا يمكن أن يمحو تاريخ هذا الرجل من الذاكرة الوطنية ومن وجدان الشعب الذي يحرص على أن يعبر بالوطن إلى بناء دولة وطنية مستقلة تغلِّب روح التوافق على روح الانقسامات الحادة.
وإذا ما قرأنا نتائج الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة فإن أولى الملاحظات التي يمكن استخلاصها هي:
أولاً: الأوراق الملغاة التي جاءت بتسميات غيض من فيض ضحايا جرائم سمير جعجع كانت أقوى من الثمانية وأربعين صوتاً التي نالها، والتي يمثل أكثرها مصالح رؤساء كتلها القابعين في الخارج وارتباطاتهم ولا تمثل الشعب الذي تدَّعي تمثيله.
ثانياً: أثبت الفريق الوطني المقاوم حرصه على الوفاق الوطني من خلال أوراقه البيضاء التي عبَّرت عن رؤية هذا الفريق لمستقبل لبنان، وحرصه على مؤسسات الدولة.
ثالثاً: إن تبني فريق 14 آذار لمرشح تحدٍ دل على أن هذا الفريق ما زال يحلم بالسيطرة على لبنان لاستكمال نهب خيراته، بعيداً عن أي مصلحة وطنية، ومازال يسعى لإلحاقه بسياسات خارجية تهدد الوحدة الوطنية في الصميم.
رابعاً: الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية دلَّت على أن الفريق الوطني المقاوم هو أكثر تماسكاً في تحالفاته من أي فريق آخر.
ومن المؤسف أن بعض النواب الذين انتخبوا سمير جعجع كانوا في عهد الرشيد يسعون ليكونوا في الدائرة القريبة منه، ويمجدون دوره الوطني والعربي، واليوم يبنون مواقفهم على المصلحة والمنافع الذاتية، ويقدمونها على المبادئ والقيم والأصالة والعروبة التي كانوا ينادون بها، فأصبحوا يقبلون إملاءات التحالفات السياسية للكتل التي جاءت أموالها بهم، والمتحالفة مع سمير جعجع، فهؤلاء موظفين وليسوا معبرين عن الأرادة الشعبية.
أما التقدير فهو لنواب طرابلس الشرفاء الذين آثروا احترام إرادة الطرابلسيين على أن يكونوا أداة طيعة في تحالف سياسي لم يجر على البلاد إلا الويلات وخيبات الأمل، بينما نواب بيروت والبقاع الذين ينتمون إلى نفس بيئة الرئيس الشهيد فقد منحوا أصواتهم لقاتل ابن بيئتهم والرجل الذي كان يتولى الموقع الأول لتلك البيئة في السلطة السياسية الرسمية.

إن تصرفهم هذا سيكون ملكاً للإرادة الشعبية التي نأمل أن تحاسب على وقع ذاكرتها وليس بتعطيل إرادتها عبر المال السياسي.
أما ما ستحمله الجولات الأخرى لعملية الانتخابات الرئاسية، فمن المرجح أن تتعثر، ولا يتمكن المجلس من إنتاج الدخان الأبيض، وسيستمر هذا التعثر إلى ما بعد الخامس والعشرين من أيار نتيجة عدم تجاوب فريق 14 آذار في اختيار مرشح توافقي للعبور بالوطن لمرحلة الاستقرار الأمني والسياسي، وإبعاد لبنان عن التأثيرات السلبية للأحداث التي تجري في منطقتنا العربية، وبالتالي فإن هذا الفريق يسعى لإدخال لبنان في دائرة الخطر، وإلى الفراغ في موقع الرئاسة الأولى إلى أن تتضح معالم التفاهمات الإقليمية والدولية على أكثر من صعيد، فينتج هذا التفاهم رئيساً للبنان صنع بقوة هذه التفاهمات وليس بإرادة اللبنانيين وتطلعاتهم إلى تحصين لبنان وحمايته من أي تأثيرات خارجية.

بقلم عبد الرحيم مراد
رئيس حزب الاتحاد

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق