المحلية

#البطريرك…

كتبت فيرا بو منصف : إذا اراد التاريخ ان ينصفني فليقل عني ما انا عليه”، قال البطريرك صفير. جلسنا الى الشاشة الصغيرة نراقب عمرا عبر بلبنان. لنقل عمرا يسيرا من عمرنا، نحن الشباب والصبايا الذين مرّ امامنا الوثائقي كشريط مسجّل عن بعض كثير من تفاصيلنا. وتفاصيلنا لم تكن ابدا ابدا مريحة ولا هي مرفّهة. لم نر من عمرنا المؤرشف في زوايا الشاشات، سوى التعب والقهر والغضب والخوف، واهم وأجمل من كل ذلك أمران، البطريرك مار نصرالله بطرس صفير والنضال.

قالوا عبر شاشة mtv ان ثمة وثائقي من جزئين عن بطريرك الاستقلال الثاني من اعداد الزميل ايلي احوش، سيعرض قريبا، انتظرنا وتسمّرنا كالمسحورين نراقب الوثائقي. نسمع نتفاعل نلاحق سمات الوجوه التي عاصرت تفاصيل من يوميات البطريرك وقدمت شهادتها. جلسنا نسمع ونحزن ونفرح قليلا و… نغضب غالبا!! هذا بطريركنا الكبير، هذا رجل استثنائي بتاريخ لبنان الحديث، هذا رجل صنع الحدث والتاريخ وغيّر مجرى الاحداث باتجاه الشمس في وقت كنا في قلب قلب العتمة والذل.

هذا رجل خاف على امته وطائفته ووطنه وكنيسته وكرامة بلاده، وعندما خاف غضب وعندما غضب توجّه وحيدا، وحيدا الى المواجهة المباشرة مع العدو، وطالبه من دون مواربة ولا تملّق بالرحيل نهائيا عن لبنان، ولم يخف من العواقب. والاهم لم ينتظر مساندة من احد. وبخط يديه المباركتين كتب بيان الشرف والكرامة ذاك، بيان المطارنة الموارنة الشهير “مش مهم اذا كنت كتبت البيان بإيدي ام لاء المهم كان استقلال لبنان وما بقا يجوا الجيران يعملوا فيه شو ما بدن”، قال لمحاوره ايلي احوش بجدية وبعقدة حاجبين واضحة ثم ابتسم بسمته العريضة تلك، كمن يعرف انه “حين يدق الخطر ع البواب” ما كان ليسمح ان تُشرّع ابواب الوطن، وحين رحل الغريب المحتل استحق الوطن بسمته تلك. رائع يا سيدنا، ما زلت رائعا حين ترسل الاشارات والرسائل في كل الاتجاهات وبمنتهى الذكاء والحنكة والحكمة، انت لست ابن السابعة والتسعين، انت المناضل لأجل الكنيسة ابن الثلاثين والله.

وثائقي على مدى يومين، وعلى الرغم من بعض الثغرات التي قد تكون في النقص بسرد الاحداث او في النص بحد ذاته الذي بدا وكأنه لم يكن ربما من حجم عظمة البطريرك التاريخي، من الواضح ان الزميل ايلي أحوش بذل اقصى جهده للإحاطة بالأحداث كافة. بدا وكأنه وضع قلبه في العمل قبل قلمه، ليكون الوثائقي على قدر عظمة البطريرك.

لكن كيف له ان يفعل وعظمة الرجل لا تحيطها لا كلمات ولا صور! عظمته تسردها الاحداث بحد ذاتها، والاحداث التي عبرت في الوثائقي ما كانت الا بعضا من جبروت الرجل، ايقونة الكرامة والايمان والشرف في تاريخ الموارنة والبطاركة ولبنان كله.

شهادات كثيرة عبرت من رجال دين وسياسة واعلام واكبوا البطريرك، واهم من كل هؤلاء كان الشارع، نحن جيل الشباب والصبايا الذي عايش كل تلك اللحظات، ليس بخفاياها ولا كواليسها انما بتفاصيل الشارع، بالنضال والاضطهاد والمواجهات العلنية والسرية.

أقسى ما عبر كانت تلك المحطة التي اهينت فيها البطريركية المارونية للمرة الاولى في تاريخها العريق، وواجهها البطريرك بالصمت والغفران. وأجمل اللحظات على الاطلاق حين وصلت جهود البطريرك الى حيث يجب، مصالحة الجبل ثم اعلان جلاء جيش الاحتلال السوري عن لبنان وثورة 14 آذار وتحرير الحكيم من المعتقل.

قطبة قطبة طرّز البطريرك الماروني تاريخا مجيدا من تاريخ لبنان، ثمة وجوه عبرت في الوثائقي اثبتت الاحداث بما لا يقبل الجدل انها مسبب رئيسي لبعض كثير من دمار لبنان ويجب ان تحاكم، ووجوه اخرى عبرت اثبتت انها يجب ان تُرفع على راحات الكرامة لأنها بعض كثير من بقاء لبنان وكرامته وعزّته.

وبعد؟ لا شيء نقوله سيدنا سوى أنك انت من كرّمت البطريركية المارونية بإيمانك المطلق، بعنادك لأجل الحق، بكرامتك العالية، بلبنانيتك المترفعة عن كل شيء، انت تكريم لهذا الوطن الصغير الكبير سيدنا. اجزم ان لولا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لما كان استقلال ثاني ولا كان لنا ذاك التاريخ الناصع المشرّف. شكرا ربي لأننا عاصرنا زمنك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق