المحلية

الصهيونية العالمية أعلنت الحرب على العالم – د. حسام الدين خلاصي

1653625_10202971556348578_2063020438_n

بات معروفاً وبدون مقدمات وتفصيلات أنّ ما يجري في المنطقة والعالم مرشح للانفجار في كلّ بلد تنتابه نزعات طائفية أو عرقية أو اثنية أو عشائرية أو قبلية، كلّ ينتفض حسب نوع الضغط الممارس عليه من الداخل أو الخارج، ولكي أوضح هذه العبارة لنأخذ من منطقتنا العربية مثالاً على ذلك:

كانت النزاعات بين الاستعمار وقوى التحرّر الوطنية قد آتت ثمارها وحصلت الدول المقسّمة على استقلالها بناء على إرادة بريطانية وفرنسية وصهيونية، فكان هذا الاستقلال المنقوص محدوداً بخرائط جغرافية لتوزع النفوذ الغربي، ولما كان العرب يحبّون دائماً العودة إلى الخلف فتطور الشعور الوطني في دول ثلاث العراق سورية مصر ليصبح شعوراً قومياً يندفع نحو الوحدة العربية كلّ بطريقته خوفاً من تكتلات استعمارية جديدة لاحت في أفق سايكس – بيكو وكانت واضحة للمفكرين والقادة العرب من شرفاء الأمة فقط، أما البقية والمنصّبين على عروشهم وممالكهم فلقد انصبّوا كتلة واحدة ليحاربوا الشعور القومي الذي في محصلته يشكل خطراً كبيراً على الصهيونية التي وعت خطورته منذ بداية تأسيسه، لذلك سارعت الصهيونية لاختراق مؤسسة الفعل القومي بجواسيس وبعناصر هدامة امتدّت ووصلت إلى العديد من أجهزة استخبارات تلك الدول الرائدة في المجال القومي، وبدأت عملية تمزيق هذه الدول وشق الصف بينها ففرّقت بين مصر وسورية ومن ثمّ بين العراق وسورية وصار كلّ يحكي عن العروبة والقومية بطريقة مختلفة.

المهم في الموضوع لقد أكلت اسرائيل ثمار فرّق تسد على المستوى القومي بعزل الدول عن بعضها وبخيانات مستترة ومكشوفة، و«كامب دايفيد» خير مثال على مثال مكشوف، واتفاقيات اوسلو المستورة منذ بدايتها ثمّ أعلنت بلا خجل.

كلّ ذلك عبر جامعة عربية مهشمة وهشة منذ نشأتها، وجرّت على العرب الويلات، وكانت غايتها أن تسلّم الأمور إلى أصحاب رأس المال الأكبر والمموّل للتيارات الانشقاقية وشراء الذمم ورعاية الرجعية الدينية، ألا وهم حكام الخليج الذين وطنتهم بريطانيا، وأغلبهم ذو نسب يهودي لا يمانع في خدمة دولته الأمّ والجزء الآخر مرتهن للنهب والشفط لخيرات الخليج وتعزيز النفوذ في المنطقة. ومرّ كلّ ذلك وأصحاب الفكر القومي يديرون البوصلة نحو العدو الصهيوني وحليفته أميركا، ولكن كان هذا عبث في عبث، فلقد استفحل الشرّ عبر سنيّ الإحباط العربي في الشارع العربي جراء عدم التوافق العربي بين الحكام والزعماء، فانصرف الشارع العربي نحو المفهوم الوطني المحلي تحت شعار صهيوني آخر وهو وطني أولاً وسرى الشعار كالنار في الهشيم منذ بداية عام 2000 وقبل ذلك بقليل.

في هذه الأثناء كانت الصهيونية تعدّ العدة لمشروعها الشيطاني في المنطقة والعالم، فأكثر الدول هشاشة هي الدول العربية والبقية من الاتحاد السوفياتي وخاصة تلك التي يستوطن الإسلام فيها وأفريقيا الجاهزة لـ«الفوضى الخلاقة» التي مركزها «الشرق الأوسط الجديد».

ومنذ مشروع تمثيلية دفاع حلف «الناتو» عن مسلمي البوسنة، والذي هلل له مسلمو الأرض واستغربوه، إذ كيف يقصف المسيحي اخوته المسيحيين دفاعاً عن المسلمين هنا نفى حلف «الناتو» تهمة الصليبية الصهيونية عن ذاته كي لا يتهمه أحد لاحقاً في ما عقد العزم عليه خدمة للمشروع الصهيوني ، منذ ذلك الحين توطدت العلاقة بين عرب الاعتدال وبين أميركا بالتحديد، وصار للملوك الصهاينة حجة أمام شعوبهم لوصف الولايات المتحدة الأميركية بالمنقذ العادل، وترافق ذلك مع انتصار الشوفينية الاسلامية على الاتحاد السوفياتي «الكافر والمحتلّ لبلاد المسلمين»، ومن وقتها ظهر مفهوم الجهاد الذي ستحتاجه الصهيونية لاحقاً في «الربيع العربي»، وبما أنّ الجهاد في افغانستان قد شذّ عن هدفه واستدار 180 درجة بطريقة مدروسة ومحسوبة من قبل مشغليه الصهاينة ليواجه الولايات المتحدة ذاتها عبر أحداث 11 ايلول المفبركة والمصنّعة بإتقان، فبرز لدينا اسلامان: معتدل تمثله الممالك وآخر إرهابي تمثله عصابة «القاعدة» الصهيونية، في هذه الأثناء كانت الصهيونية السعودية تعيث فساداً في شرق العالم وغربه، في آسيا القريبة من روسا وإيران وفي المغرب العربي مروراً بكلّ دول المتوسط وخاصة سورية، وتنشر فكرها الوهابي بأساليب شتى مباشرة وغير مباشرة إعلام + إغراءات مالية + فضائح استخبارتية ، وكان ذلك يمرّ عبر وجه ليّن وناعم للحكومة الوهابية والخليج، مثل قطر، عبر مساعدات وتصريحات ومشاريع تنمو في الهواء وفي دوائر الفساد للدول المستهدفة، وكانت أميركا آنذاك تصنع من العربية السعودية مملكة وسطية وذات نفوذ بربط القرارات العربية بجاهها وكلمتها لبنان + مثلث مصر سورية والسعودية + الحرب على العراق .

ولم يبرز دور الوهابية السعودية وتقديمها كقوة خليجية عربية يرتبط بموافقتها أي قرار عربي إلا عبر حربيْ الخليج الأولى والثانية، إذ أفتى علماؤها آنذاك بوجوب الحرب على العراق والاستجارة بالغريب لصدّ العدوان، ويومها كانت عمالة صدام حسين وتورّطه مع المخابرات الألمانية والبريطانية غير قادرة على ردعه عن افتعال تمثيلية احتلال الكويت وتلويحه بضرب «إسرائيل».

كلّ ذلك كان قدر العراق والمدخل لإضعافه وزرع أميركا لقواعد جديدة وأصول جديدة في المنطقة دفاعاً عن النفط لسرقته ودفاعاً عن الحليف الدائم «إسرائيل»، وإقناع العرب بأنّ العربي أشدّ خطراً على العرب من «إسرائيل» ذاتها كمرحلة أولى، وخصوصاً عندما نعرف الدور الاستخباري الهام الذي لعبته «إسرائيل» أمام حكام الخليج ومصر في دفع صدام من الكويت، وتالياً في احتلال العراق وإبعاد شبح صدام حسين عن الخليج، إلى أن وصل الأمر في لحظة تعفّن أممي أن نطق كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق أمام مجلس الأمن بأننا ذاهبون للدفاع عن العالم من شرّ صدام حسين، خاصة أنه مرتبط بـ«القاعدة» والسلاح الكيماوي، يومها بلعت الكرة الأرضية الطعم وكانت الخطوة الأولى لتحقيق الخط الأزرق الأول من خطوط علم «إسرائيل» الصهيونية من الفرات……..

وبقي أمام الولايات المتحدة الأميركية و«إسرائيل» دولة واحدة في المنطقة هي سورية التي كانت ممتدّة في لبنان آنذاك ومتواصلة مع المقاومة التي التي صنعت تحرير الجنوب ببطولة كبيرة، ناسفة بذلك خطوات سريعة كانت لتنجز لولا وجود المقاومة التي أرّخ لها ودعمها الرئيس الراحل حافظ الأسد، فصنعت أساساً جديداً وعنصر رفض للمشروع الذي توضح مع زيارة كولن باول إلى دمشق آنذاك، ومع خطاب الرئيس بشار الأسد في القمة العربية عندما خاطب أنصاف الرجال، فتمّ الضغط على سورية بذريعة اغتيال الحريري للخروج من لبنان بدون شكر على الصنيع الكبير الذي قدمته سورية للبنان والأمة في درء خطر الاحتلال الصهيوني، وسهّلت هذه المهمة ممارسات خاطئة لقادة سياسيين موظفين ثبتت خياناتهم تالياً لسورية عاثوا فساداً في لبنان ارتكز إليه أعضاء 14 آذار في تشويه الدور السوري والبدء بهدم السمعة الطيبة للقائد بشار الأسد عبر انتفاضتهم الهزلية في 14 أذار.

وبعد خروج سورية من لبنان جرّبت «إسرائيل» حظها في العدوان على لبنان 2006 لجسّ نبض المقاومة والتأكد تماماً بأنّ الحلول العسكرية المباشرة لن تجدي، ولا بدّ من اللجوء إلى مشروع «الربيع العربي»، أي القتال بسلاح الغير، وبهذا أثبتت دوائر الاستخبارات الصهيو ـ أميركية لمركز القرار في السياسة العالمية ولأرباب الاقتصاد الصهيوني جدوى القوة الناعمة كحلّ نهائي لقيام دولة صهيون الكبرى.

ولم يتبقّ لـ«إسرائيل» إلا ان تلعب الدور التالي، في إظهار أبطال جدد على حساب القضية الفلسطينية كالعادة فأتت حرب غزة، والتي أظهر فيها العرب عدا سورية كالعادة تخاذلاً كبيراً فظهر النمر التركي أردوغان والذي لا يجمعنا فيه نظرياً إلا الدين الإسلامي، وتمّ الترويج لفكرة أنّ فلسطين هي «ملك إسلامي» وليست ملكاً عربياً، واقتنع الفلسطنيون أنفسهم بأنّ الرئيس التركي «المسلم» والذي زأر في دافوس بتمثيلية كبرى وبحادثة لسفينة مرمرة الشهيرة، والتي بحث فيها الجنود الصهاينة عن أتراك فقط ليقتلوهم ليطالب بعدها أردوغان باعتذار قدّم له على طبق من ذهب ليظهر كرجل صاحب قرار ونفوذ، وهنا كانت تركيا تعيث فساداً في دول عربية أهمّها سورية، وتطعمنا العسل وفي وسطه نقطة السم، فكرّست الفكر الإخواني وتصاعدت أسهم الحركات الاسلامية السنية تحديداً الأخوان المسلمون حماس وحققوا نجاحات عسكرية مظهرية فقط وشق الصف الفلسطيني بين متأسلم ويساري ومسالم.

وفي غفلة حرب غزة الأولى استقلّ جنوب السودان بضمانات بقاء البشير على رأس السلطة، وهكذا امتلكت «إسرائيل» الشريط الأزرق الثاني في علمها …….. إلى النيل وغرست أوتادها في دولة لا يربطها لا بالعالم الإسلامي ولا العربي شيء هي دولة ج جنوب السودان.

هنا كان لا بدّ بعد السيطرة على النهرين ظاهرياً أن تعلن «إسرائيل» العدوان وتحويل النظر عن عداء العرب لها الأول إلى مصلحة جعل إيران العدو، وما صاحب ذلك من اتهامات العدو الأول للمجتمع السني الوهابي والإخواني، وتمّ ذلك عبر فوضى خلاقة تتبّعت أثر حزب الله أولاً وإعلام مناهض للمصالحة السنية ـ الشيعية، وأيقظت الأحقاد تمهيداً للدخول في دوامة «الديمقراطية والفوضى الخلاقة» الربيع العربي .

هذا الربيع الذي بدأ في تونس بسهولة ويسر عبر رجل المخابرات الأميركية زين العابدين بن علي الذي رسم طريقاً سهلة لتغيير الأنظمة تحت شعار أخرج في الشارع تسقط رئيسك وهرب زين العابدين بغير حساب، واختفى أثره وبلع العرب الطعم وكرّت السبحة وتتالت تجارب «الربيع العربي» لكلّ بلد وفق ما رسم له، فبلاد تترك في فوضى راقدة كالجمر تحت النار، ويهمّ «إسرائيل» استقرارها ودول تحتاج أميركا وأوروبا نفطها تغوص في حرب أهلية ودمار، ودول أخرى يتوجب هدم بنيتها الفكرية والعقائدية سورية كي ترتاح «إسرائيل» لمرة واحدة وأخيرة وتتفرّغ لدولتها الكبرى، فانقضّت على سورية بعد أن طاب لها المقام في باقي الأقطار العربية عبر عصابات تكفيرية ظهرت بوضوح شديد بعد فشل الانتفاضة الشعبية المزعومة في الشوارع السورية إذ أنّ السوريين لم ينجرّوا في غالبيتهم للمشروع الفتنوي الكبير، وصمد الشعب مع الجيش ومضت 3 سنوات ونيّف من الصبر مع حلف واثق من قدراته مع الروس والإيرانيين والصين وبقية دول صديقة في البريكس.

نتيجة هذا الصمود السوري مع الأصدقاء، كان يتوجب على «إسرائيل» التصعيد واستقدام أدوات المشروع كما لو أنّ الدولة السورية قد سقطت، فظهرت «داعش» والتي لوّح بها منذ عام 1996 في الولايات المتحدة الأميركية كـ»دولة الخلافة الإسلامية»، ومن مظهر الخلافة ينتفض الاسلاميون في كلّ دول العالم ثأراً للإسلام من شرّ الصليبية، وهذا ما تناهى إلى أسماعهم وهذا ما درّبتهم عليه الوهابية التكفيرية عبر عشرات السنين، وهذا ما تسوّقه وسائل الإعلام الغربية بحِرفية عالية.

اليوم تبدأ لعبة دول تريد حق تقرير المصير، فلقد بلع الروس الطعم في القرم ورضوا بحصتهم اعتقاداً بأنهم ربحوا وهذا يذكرنا بتمثيلية قصف «الناتو» لانقاذ البوسنة المسلمة ، وفتح الباب لتثقيف العالم بأنّ أيّ جزء وأيّ قطعة من الأرض تريد حق تقرير المصير فلها الحق في ذلك، وبعد الطعم الروسي أتانا الطعم الاسكتلندي، وبعده حق تقرير المصير لهونغ كونغ، وتالياً حق تقرير المصير لأكراد سورية في الانضمام لتوسيع كيان دولة كردستان العراق، خاصة بعد المعاناة الحالية لأكراد عين العرب في سورية، ويومها ولحينه لن يستطيع أحد أن يحارب شعباً أراد أن يقرّر مصيره، وسيتدخل حلف «الناتو» للحماية ومنع التطهير العرقي، ولن نستغرب أن يقرّر اليهود ذات يوم أنّ في «إسرائيل» قرّر اليهود أن يعيش فقط اليهود فيها!

واليوم ومع عبثية أردوغان الإخواني، الذي لا يقلّ في عمالته لسيده الاسرائيلي عن محمد مرسي أو زين العابدين بن علي، سنشاهد مسرحاً ملتهباً للفوضى على الأرض التركية بناء على الأوامر المعطاة له في تأجيج مشاعر الأكراد ومشاعر سكان اللواء السليب لاحقاً واستنهاض الإرهابيين من قاعدة ونصرة وجيش حر ودواعش على أرضه ضدّ الجيش التركي العلماني الذي يتوقع منه أن ينهض لحماية تركية العلمانية ويحافظ على وحدة أراضيها.

«إسرائيل» الصهيونية أرادت شن الحرب العالمية على العالم، وقد لوّحت بسيف الإرهاب ضدّ روسيا وإيران. ومن خلال التدخلات والتخبّطات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط واستعداء العالم والتفرّد بالقرار الدولي ستجد الولايات المتحدة نفسها مهدّدة بسطوة شركات المال والاقتصاد والنفط الصهيونية، وستنفذ كما عادتها أطماع «إسرائيل» في القارات القديمة الثلاث، وستعلن «إسرائيل» نفسها دولة عظمى ونووية على أنقاض خراب الشرق الأوسط وقيام كيانها المزعوم.

ولكن تبقى سورية ويبقى حزب الله، ومعهما محور المقاومة، الواعيين الوحيدين لهذا المخطط الشيطاني، وإنْ كان لا بدّ من مخرج يهدّ هذا الحلم الصهيوني على رأس أصحابه فهو بأن يقتنع الروس بأنّ العدو هو الكيان الصهيوني أو القيام بحرب وجود مباغته على الكيان الصهيوني لتغيير المعادلة قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق