المحلية

الفجوة بين المواطن والدولة – احمد مطر

1002469_533777710023434_1342747672_n (1)

أكد لي صديقي عندما كان الحديث يدور عن المحطات اللبنانية، وثقلها بين المشاهدين، انه لم يعد يستسيغ رؤية تلك المحطات، كون أغلب برامجها تدور حول السياسة والسياسيين، وهو فقد الثقة بما يسمع من تصريحاتهم، ووعودهم، وبرامجهم، وخططهم التي تقال في الندوات، والمقابلات، والمهرجانات. وهذا على ما يبدو أصبح هاجسا عاما لدى الجميع. فجردة بسيطة لهموم أي مواطن تكشف أن هناك هوّة بين ما يقال وما هو على أرض الواقع. مؤتمرات، ولقاءات كثيرة، عقدت بين القوى السياسية للوصول الى قواسم صريحة وثابتة، لكن اغلبها لم يأت بنتيجة. النتيجة التي يريدها المواطن في رؤية بيئة سياسية صحية، تكافلية، تضع برنامجا وطنيا مشتركا في صالح بناء الوطن وانتشاله من التخلف الذي نراه في اغلب المناطق ومنها العاصمة بيروت.
بعد كل لقاء فاشل بين الكتل السياسية يتراكم الاحباط في نفوس الجميع، وكأن الصراع السياسي تحول الى مرض عضال لا شفاء منه. وهاجس أن ينتقل الشقاق السياسي الى المجتمع استدار ليكون هاجسا يوميا لدى المواطن، فهو لا يرغب في عودة أيامه السود التي ودعها منذ سنين.
المشكلة المزمنة التي أصبحت كابوسا للمواطنين، الا وهي الكهرباء، بدت وكأن الزمن بما فيه من ميزانيات، ومؤتمرات، ومشاريع، لم يساعد على حلها، ولا تحسينها حتى ولو ساعة اضافية واحدة،
في المحطات اللبنانية التي يراها المواطن لم تعد هناك مشاكل في البلد، فالمسؤولون يؤكدون ان المشاريع التي طرحوها، او يطرحونها، حلت المعضلات كافة، او على الأقل حسنت من الأداء. لكن المواطن في الواقع يرى عكس هذا، حياته تنقضي بركض متواصل بين فاتورة المولد وفاتورة مؤسسة كهرباء لبنان، عينه على الثلاجة، والمياه الباردة، ورش البيت للتقليل من حرارة الصيف، أي تأجيل كل مستلزمات الحياة لحين عودة الكهرباء.
ازدحامات الطرق، رغم انها خفت قليلا، لكن لا شيء مضمون في مدننا، ففي لحظات يواجه الفرد باختناقات غير مفهومة، ومفاجئة، بحيث تجعله يتقلى تحت اشعة حارقة لفترة قد تصل نصف ساعة، او تمتد في اسوأ الأحوال الى ساعة، دون ان يعير المسؤولون اي لفتة لحلها، وكأن الشارع يتحكم بنفسه، وليس هناك جهة ضابطة لايقاعه، وهذا الأمر يسري على القمامة في الأزقة والشوارع والساحات، ويسري على دوائر الدولة التي تذكّر المرء بالدواوين العثمانية التي ظلت تعتمد على السجلات القديمة، والضخمة، على مدار القرون، وكأن التكنولوجيا، والتقنيات، لم تعرج عليها.
ويمكن تعميم التلكؤ، والمماطلات، والتسويف، على معضلات أخرى لها مساس بحياة المواطن مثل التقاعد، المدارس، الصحة، وغير ذلك، مما له تأثير يومي على الفرد.
لا شيء يعطي الانطباع اننا نسير الى الأمام، بل ثمة حلقة مفرغة تدور بها الحياة في هذا البلد. قد تكون أوضح تجلياتها في التجاذبات السياسية بين القوى الحاكمة، التي قد تصل، اذا ما تدهورت المشتركات، واستحكم الشقاق، والريبة، وفقدان الثقة، الى طلاق سياسي يضع الجميع في مأزق. والخشية كلها، مع تراكم اليأس والاحباط، ان يصل المواطن الى نقطة ان لا يعود يصدق كل ما يصدر عن مؤسسات الدولة وأجهزتها. وبذلك يتحول الى عجينة جاهزة لصناعة ما لا يخطر على بال من غرائب، بما في ذلك العنف، والارهاب، والفساد.
وهذا ما يطلق عليه المحللون، الخراب الشامل، حيث يصبح العلاج أكبر بكثير مما نتخيله جميعا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق