المحلية

الفضاء الحیوي الایراني.. عرب أم غرب؟!

من خلال دراسة مواقف الأنظمة العربیة تجاه الجمهوریة الاسلامیة خلال العقود الاربعة من عمرها المبارك والمشاكل المتجذرة في اغلب تلك الانظمة التي فقدت عزتها واصبح المال الخلیجي والدعایة البدویة تحركها.. هناك اتجاه قوی بین النخب السیاسیة والثقافیة الایرانیة باهمال العالم العربي وتجاوزه او التعامل معه علی الهامش…

اصحاب هذا التیار والذي یتراوح بین القومیین الایرانیین وبعض الاسلامیین الاصلاحیین یستدلون علی ذلك بان مهمتهم هي بناء نموذج تنموي وحضاري ایراني اسلامي، وعدم استهلاك طاقات ایران (كحدود جغرافیة وقومیة) في مشاكل الآخرین ..”فما دخلنا بالاعراب وبعضهم یتفق بالسر والعلن مع الصهاینة”…”وما هي مصالحنا بالسودان لكي نتحمل وزرها وتقاعس شعبها عن النهوض لاکثر من عقدین من الزمان”… و”ما لنا و البلدان الخلیجیة التي لا تشكل وزنا لا في السیاسة ولا في العسكر ولا في الثقافة ولا… الخ”، هكذا ینظرون الی الظرف الجغرافي..

هذه الرؤیة تسربت بعض مفاصلها الی الحكومة الايرانية وشكلت استراتیجیة التفاهم مع “الختیار او المختار” (كدخدا)، حسب تعبير الرئيس روحاني الشهير، وشكلت ركنا مهما دفع بالایرانیین تجاه المفاوضات النوویة.. والیوم وقد آتت المفاوضات أُوكلها، فقد تعززت هذه الرؤیة لدى بعض الايرانيين.. لذلك تری ردود الفعل الایرانیة غیر مكترثة علی الاستفزازات العربیة (الخلیجیة خاصة) فهي تاتي من ثلاثة أمور اساسیة وقناعات:

1- ان هذه الدول ما هي الا تبع وعبید للقوی العظمی وفي مقدمتها امیركا.. لذلك فالتفاوض یكون مع “الختیار” او “كدخدا” ویترك هؤلاء “الصبیان” الی نتائج التفاهم بین الكبار.. ولعل في رد الوزير ظريف على تخرصات وزير الخارجية الاماراتي كثير مما يدل على مما أشرت اليه.. “الدبلوماسية مهنة (أو صنعة) الكبار ولا مكان للمراهقين فیها”.

2- تشعر ایران ان موقعها وحجمها وتاریخها وامكانیاتها لا تسمح لها بالجلوس الندي مع هذه الانظمة الصغیرة التي لا تشكل وزنا في المعادلات الدولیة والاقلیمیة والتي حیاتها مرتبطة بدعم القوی الدولیة.. لذلك لابد من التعامل معها بمنطق الید العلیا.. وتركها وشؤونها الی حد ما.. وفي تصرفات النظم الخليجية خاصة ما يدفع الايرانيين لتعزيز هذا الشعور.. فرغم مئات مليارات الدولارات من صفقات السلاح مع أميركا وغيرها والقواعد العسكرية الغربية على اراضيها والمظلة الامنية والصاروخية، وفي الجانب الاخر كل العداء والضغط ضد الجمهورية الاسلامية.. يخرج لنا قادة هذه الانظمة كل يوم بمطالبات من اميركا بالعمل على تبديد قلقها من ايران!!

3-  یری الایرانیون امكانية التعامل مع العقل والبراغماتية الغربية وخاصة الاوروبية.. بينما من الصعب ان تتفق مع الحالة الخليجية الطاغية على الوضع العربي لانها غرائزية وغير عقلانية ولا تعبر عن مصالح وطنية حقيقية يمكن التفاهم والتفاوض معهم عليها.. وهذا كان احد اسباب نجاح المفاوضات مع 5+1 رغم صعوبته ومشقته.. بينما العربي يريد اتفاقية من الاجتماع والجلسة الاولى او يقلب الطاولة وتُعلن الحرب!
اعود الی ایران.. هذا التیار السیاسي والفكري الایراني، الذي یهتم بالحداثة والقوة یری ان مصالحه مع اوروبا الغربیة وامیركا بالدرجة الاولی.. نعم بعض اجزائه لها رؤیة “شرقیة” ایضا.. وتری ضرورة الانفتاح علی الصین والهند وایضا علی افریقیا الغربیة والجنوبیة (لا العربیة) وبشكل نسبي علی دول امیركا اللاتینیة غیر الیساریة..

هم یقولون بأمکانیة التفاهم بین ایران والغرب ـ وفي مقدمته امیركا بالطبع ـ حول كل ذلك.. وعندها سیصبح اعداء الیوم من الاعراب وخاصة البدو، منصاعون لایران كما كانوا ـ بالضبط ـ في عهد الشاه.. ونحن ایضا (كایرانیین) نحفظ مصالحنا ونفوذنا في المنطقة والعالم، والاهم من ذلك كله نطور بلدنا ونستثمر امكانیاتنا وقدراتنا، فلیست ایران بأقل من کوریا الجنوبیة او البرازیل..

ولا یخفی ان احد العوامل المؤثرة في هذا الاتجاه الذي یشبه نظریة الفضاء الحیوي الاوروبي التي طرحها مصطفی كمال اتاتورك بعد خیانة العرب للدولة العثمانیة وتحالفهم مع البریطانیین والفرنسیین ضدها، بما ادی الی تحجم دورها ومساحتها اقلیمیا.. هو الدور العربي السلبي الذي لعبته الدول العربیة الحلیفة للغرب ضد الجمهوریة الاسلامیة منذ انتصارها في مثل هذه الایام من سنة 1979، فاستنزف عدوان صدام حسین ومعه النظم الخلیجیة وباقي جوقة الطبالین للسیاسات والتبعیة الغربیة، ثمان سنوات من عمرها.. ثم استمرار عدائهم غیر المبرر حتی ذهبوا ابعد من ذلك، الی التحالف والتعاون مع “العدو الصهیوني” ضد ایران.. فهم ینسقون الیوم مع “اسرائیل” ضد ایران..

في حین كان بامكان العرب ان یستغلوا الثورة الاسلامیة في ایران التي غیرت موازین القوی في المنطقة لصالحهم.. وكفت ید الاسرائیلي عنهم بعد ان كانوا یخسرون كل مواجهاتهم معه وبأسوء الاشكال.. صار الاسرائیلي یحسب ألف حساب لمواجهة فصائل المقاومة المدعومة من ایران وهو لا یدري كیف سیخرج من حروبه ونزواته التي یری نفسه مضطرا لخوضها – لاسباب خارجة عن نطاق هذا المقال.

ایران اول من افتتحت سفارة لفلسطین في العالم تزامنا مع انتصار الثورة (فبرایر 1979) وحتی قبل ان یعلن الرئیس الفلسطیني الراحل یاسر عرفات عن دولة فلسطین بسنوات (نحو عقد من الزمان).. ایران من دعمت قوی المقاومة الفلسطینیة واللبنانیة في مواجهة الاجتیاح الاسرائیلي للبنان عام 1982 فیما كانت هي تخوض حربا فرضها علیها النظام  العربي (صدام وامراء الخلیج الفارسي والاردن ومن خلفهم امیرکا) وتدافع عن اراضیها وبلادها.. ایران من اعلنت یوم القدس العالمي في آخر جمعة من  الشهر رمضان بینما کان العرب ومنهم الفلسطینیون یهرولون نحو توقیع معاهدات التسویة والاستسلام مع الکیان الصهیوني.. ایران من اعلنت اسبوع الوحدة الاسلامیة من 12-17 ریبع الاول ورفعت شعار “یا ایها المسلمون اتحدوا اتحدوا”، وامامها الخمیني (رض) هو من افتی باهدار دم المرتد سلمان رشدي سنة 1989 لانه اساء للنبي (ص) وقد كلف هذا الموقف ایران الكثیر مع الغرب.. وایران لم تنتقم من العراق ولم تشارك في الحرب ضده عام 1991.. وقبلت اعتذار الخلیجیین والعرب ولم تنتقم منهم رغم كل الجرائم التي ارتكبوها وخاصة السعودیین والكویتیین (قتل اكثر من 400 حاج بینهم اكثر من 250 ایراني، سنة 1987 في هجومهم علی مسیرة البراءة من المشركین بالتعاون مع جماعة خلق والمخابرات العراقیة).. وایران امدّت العراق بكل ما یحتاج في سنوات الحصار التي فرضت علیه مع وجود صدام حسین في الحکم، فیما كان العرب (الخلیجیون) یراهنون علی بیع شرف العراقیات!! ویدفعون الاموال للقضاء علی العراقیین وقتلهم جوعا!!

وایران الوحیدة في المنطقة التي لم تشارك ولم تفتح اراضیها ولا سماءها لاحتلال العراق سنة 2003.. وكان بامكانها ان تقبض الكثیر مقابل ذلك، في حین كان الخلیجیون یدفعون عشرات ومئات الملیارات لامیركا والغرب من اجل احتلال العراق!

باختصار.. ایران من صنعت انتصارات العرب (سنة وشيعة).. أیار 2000 وتموز 2006 في لبنان وانتصارات غزة بعد ذلك.. بالمال والسلاح والایدیولوجیا الثوریة وما دفعته من اثمان.. وهي الیوم من یقف مع سوریا والعراق والیمن في وجه التهدید الارهابي القادم من تخوم نجد وجزیرة العرب.. فكیف جازاها العرب ـ ومنهم من دعمتهم ووقفت الی جانبهم ـ كان جزاؤها الوقوف ضدها مع امیركا واسرائیل وجرذان الصحراء…

ان مبادئ الثورة والتزام قیادتها بالاسلام المحمدي الاصیل.. یفرض علی ایران حكومة وشعبا الالتصاق بالوضع العربي ودفع ثمن المقاومة في وجه المشروع الصهیوامیركي والاسلام الوهابي المزیف ـ بالدم ـ كما یحدث في العراق وسوریا، فضلا عن المال والسلاح والعتاد.. وهذا الامر لیس مفروضا علی الشعب الایراني المسلم.. فهو ركن من اركان عقیدته وجزء اساسي من شعوره الدیني والانساني.. ومن یذهبون لتقدیم دمائهم من اجل العقیدة (وبالمناسبة هم سنة وشیعة) لم یجبروا، كما لم یجبرهم احد في زمن الدفاع المقدس عن حدود ایران…

 علاء الرضائي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق