المحلية

المذهب والطائفة والمجتمع المدني – احمد مطر

1002469_533777710023434_1342747672_n

تعتبرالمذهبية والطائفية بتشكيلاتهما الدينية والسياسية من القضايا الهامة التي يعاني منها المجتمع اللبناني في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة التي اخذ فيها نفوذ المذهب والطائفة يتزايد يوما بعد يوم بحيث تتحول احيانا الى بديل عن القانون ومؤسسات المجتمع المدني وباتت تتجاوز هيبة الدولة ووحدة المجتمع وأمنه واستقراره، مثلما تهدد وحدة نسيجه الاجتماعي والاخلاقي وكذلك شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط بين مكوناته الاجتماعية وهوياته الفرعية المتعددة.
والسؤال الحاسم الذي يؤرق بال كثير من اللبنانيين هو: لماذا لم يستطع المجتمع المدني في لبنان تفكيك سلطة المذهب والطائفة بعد اكثر من ستةعقود على تأسيس الدولة اللبنانية؟!
للاجابة على هذا السؤال علينا طرح اشكالية الدولة والهوية وروح المواطنة للبحث، حيث لم يشهد لبنان حتى الان تشكيل الحكم الوطني وتكريس دولة قوية ذات سيادة وطنية.
ان ضعف السلطة المركزية في لبنان خلال المراحل الماضية والحروب والصراعات, ساعدت على نشوء إمارات ومشيخات وسلطات محلية وطوائف وجماعات مختلفة وفرت مجالاً خصباً لتقوية الروح المذهبية والنزاعات الطائفية وإعادة انتاج القيم والأعراف والعصبيات المذهبية والتقليدية, حتى يحافظ كل من الحاكم والمحكوم على موقعه ومصالحه والدفاع عن “مناطقه” وحمايتها. وهو ما ساعد على ترسيخ القيم والعصبيات القبلية والطائفية والمحلية على حساب القيم والأعراف الحضرية والديمقراطية، حيث حلّ الولاء للمذهب والطائفية مكان الولاء للدولة والوطن.
كما ان التخلف والركود الاجتماعي والاقتصادي دفع الى نزوح مئات الألوف من الفلاحين الى المدن للبحث عن عمل وحياة أفضل. ولم تمض إلا بضعة عقود حتى أصبح المهاجرون من الأرياف اللبنانية يشكلون غالبية سكان المدن الكبيرة. وبسبب أصولهم الريفية و قيمهم العشائرية أخذت كل جماعة منهم تستقطب مشاعر الولاء للمذهب والعشيرة والطائفة وفقاً لدرجة تطورها الاجتماعي والثقافي ودورها ووظيفتها وحضورها في الحياة العامة. ويتصدر الولاء للمذهبية بقيمها وأعرافها العشائرية ذات الخصائص الأبوية – البطريركية، التي هي التعبير الحي عن القبلية المترسخة في المجتمع العربي، ثم الولاء للطائفة باعتبارها تكويناً اجتماعياً – دينياً يقوم على نمط محدد من الممارسة الدينية أو المذهبية, التي تكتسب بمرور الوقت طابعاً اجتماعياً وسياسياً.
مما شجع على تداخل القيم والأعراف العشائرية بقيم وأعراف المؤسسة العسكرية والحياة الحضرية وتوليد أشكال من التماسك التقليدي الذي ساعد على تمركز السلطة في يد الطائفة وتحطيم الدولة البرلمانية التقليدية عن طريق ضرب المنظمات الجماهيرية وإضعاف الطبقات الاجتماعية وبخاصة الطبقة الوسطى وتفكيكها، وهو ما ساعد على استرجاع العلاقات العشائرية بعض قوتها وأعرافها ، بحيث اصبحت المؤسسات الطائفية بديلاً لعدد من مؤسسات المجتمع المدني.
ان هذه التركيبة المجتمعية غير الطبيعية ولدت جيلا لا يعرف معنى الانتماء للوطن والولاء للدولة الحديثة وروح المواطنة ولا الانتماء الحزبي أو النقابي. فليس من الغريب ان تستعيد المذاهب والطوائف، التي هي الوجه الديني الآخر للقبيلة، سلطتهما وأن تظهر من جديد التحالفات والعصبيات القبلية والطائفية وفي جميع المناطق اللبنانية وتنظم نفسها للعب دور سياسي كبير بعد انهيار الدولة بمؤسساتها وأجهزتها ، التي لم تستطع توليد اشكال من التلاحم والاندماج المديني بين طبقات وفئات المجتمع المختلفة.

واذا كان للقبلية وللطائفية وظيفة ودور اجتماعي, فهما وظيفة ودور سابقان لتكوين الدولة الحديثة. وقد تحولت اليوم الى مشروع سياسي وتحول دور الدولة الى ما يشبه الحزب السياسي يعقد تحالفات عشائرية وصفقات سياسية وغزوات عشائرية.
وكذلك للطائفية نزعة مذهبية تعصبية تجعل الفرد يقدم ولاءه الكلي أو الجزئي للقيم والتصورات الدينية وليس للدولة والوطن ، وتستخدم الولاء الطائفي للالتفاف على قانون المساواة وتكافؤ الفرص الذي يشكل قاعدة الروابط والعلاقات الوطنية.
ان استفحال الولاء للقبيلة والانتماء للطائفة انما يشكل تحد كبير يواجه بناء الدولة الحديثة وروح المواطنة والهوية حيث ينقسم المحتمع اللبناني اليوم على ذاته الى قبائل وطوائف ومناطق و حولت الصراعات والمنازعات والعصبيات العشائرية الى المدن والاحياء ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني. ان تزايد الدور السياسي للمؤسسة القبلية والطائفية يبرز العديد من المخاطر، لأن المشكلة تتعدى كونها بديلا لمؤسسات دولة القانون والمجتمع المدني الى كونها لا تمتلك برامج سياسية او اقتصادية واضحة المعالم، بل تتمحور اغلبها عن مطالب مصلحية ضيقة للحصول على مناصب اساسية في دولة المحاصصة التوافقية، بحيث وصل الأمر اخيرا الى احتراب على مناصب الوزارات السيادية. ان صيغة  المحاصصة الطائفية بامتياز هي في الحقيقة التفاف على نتائج الانتخابات وتشويه للعملية الديمقراطية التي تتبجج بها جميع الاطراف المشاركة في الحكومة، كما انها تعرقل مسيرة الديمقراطية بكونها تضع نفسها كبديل عن مؤسسات المجتمع المدني ، وبالتالي تخترق قيمها واعرافها وعصبياتها قيم التحضر والديمقراطية وتقف ضد المواطنة  والحداثة وعملية التغير والتغيير.
ان الاعتزاز بالقبيلة والولاء لها دون الوطن يتحول الى قبلية وان الاعتزاز بالطائفة والانتماء لها دون الدولة، يتحول الى طائفية، وهذا يشير الى ضعف الاندماج الاجتماعي العضوي في المجتمع ومع المكونات الاجتماعية الاخرى وعدم قدرتها على التوحد في هوية وطنية واحدة تحقق الانسجام والأمن والاستقرار والتعايش السلمي فيما بينها بحيث تصبح النظرة الى الأخر ذات بعد واحد. وهنا يكمن خطرها والخطر الذي يهددها من جراء تقديس الهويات الفرعية والمبالغة فيها بحيث تتحول الى حالة خوف وتربص ودفاع مستمر عليها، وفي ذات الوقت عجز عن مقابلة الأخر بالتفاهم والتواصل والحوار.
ان التحدي الكبير الذي يواجه بناء الدولة الحديثة والمجتمع المدني على أسس العدالة والمساواة والتعددية والديمقراطية،  يدفعنا الى سؤال هام يرتبط بمستقبل لبنان هو:
كيف يمكن تحضير وتمدين  ودمقرطة القوى المذهبية والطائفية بعد ان صعد البعض منهم الى قمم السلطتين التشريعية والتنفيذية.؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق