المحلية

المقاومة لا تطعم ولا تصالح

مقاومة المستعمر ضرورية. هي في المحصلة مسألة حياة أو موت، استناداً إلى مفهومية تعتبر المستعمر إنساناً متوحشاً، مفترساً!
المقاومة بحسب هذاالمفهوم هي عمل دفاعي .. أنت تقاوم ضدّ عدو، ضد قوة. من المفروض أن تتّخذ المقاومة أيضاً إجراءات وقائية، حتى لا ينقضي العمر وأنت تقاوم! مهما يكن فالمقاومة تحتاج إلى مقومات مادية وفكرية، متناسقة مع الزمان والمكان والبيئة.
تتأسس المقاومة على تجميع قوات صغيرة، ضعيفة، مشتّتة في جبهة واحدة، بقصد التصدّي لقوة كبيرة عاتية أجنبية معتدية، هي قوة المستعمر، اعتماداً على مبدأ يقول إنّ الغزاة لا يستطيعون السيطرة نهائياً،على أهل البلاد إذا انتظم الأخيرون في صفوف جبهة وطنية واحدة وسخّروا كامل قدراتهم المادية والفكرية من أجل الدفاع معاً عن البلاد. تأبى العصي إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا. إنّ أهل البلاد الذين يفشلون في الاتحاد في وجه عدو خارجي، لا يشكّلون جماعة وطنية حقيقية، وبالتالي يصعب عليهم في أغلب الأحيان المحافظة على بلاد لا يدركون أنها وطن لهم، وأنّ الوطن حاجة وضرورة لكل إنسان لا يرغب في أن يكون «افتراضياً» ! أقصد بالإنسان الافتراضي الإنسان الذي يحيا كمثل حيوان السيرك، للخدمة أو للفرجة!

تلزم الملاحظة إلى المقاومة ضدّ العدو الغازي، ضدّ الاحتلال، تأخد أشكالاً متعدّدة ومختلفة. أو بالأحرى تستخدم المقاومة جميع الوسائل والأساليب المتوفرة التي تمكّنها من جعل ميزان القوى يميل لصالحها.
في مضمار النضال من أجل التحرير، يحسن التأكيد على مُعطى هام جداً، وهو أنّ قوات المستعمرين والمحتلين تحتاج دائماً إلى مساعدة تشكيلات من السكان الأصليين، تتجنّد في معاونتها، ضدّ جبهة المقاومة الوطنية.
مجمل القول، إنّه حيثما يوجد استعمار واحتلال يوجد متعاونون وعملاء. استعمرت إنكلترا الهند بواسطة جيش غالبية عناصره من السكان الأصليين. أدّى الحركيون الجزائريون دوراً لا يُستهان به إلى جانب القوات الفرنسية في حرب التحرير الجزائرية. في فلسطين، في الضفة الغربية تحديداً، يتولّى جهاز الأمن الفلسطيني بالتنسيق مع قوات المستعمرين الإسرائيليين، تقييد وقمع الحركة الوطنية الفلسطينية. أمّا عن المتعاونين مع الاستعمار في بلاد الأرز وفي سوريا قلب العروبة النابض، وفي عراق «الشعراء والصور»، فحدّث ولا حرج!
من المعروف أنّ الأميركيين هم الذين أشرفوا على إعداد الأمنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، وأنّ الاتحاد الأوروبي يتكفّل بدفع رواتبهم، ونظراً إلى أنّ عددهم يفوق المائة ألف، فإنّ هذه الرواتب تمثّل كتلة نقدية كبيرة تضخّ شهرياً في اقتصاد الضفة الغربية. المعادلة: الإطعام مقابل الاستكانة والعيش خلف جدران الفصل العنصري في داخل الغيتوهات المحاصرة.
هذه المعادلة ويا للأسف، لا يقتصر مجال تطبيقها على الضفة الغربية الفلسطينية وحسب، ولكن سبق وأن اختُبرت في بيروت، وبنجاح كبير أيضاً. إذ لا غلوّ في القول إنّ الأميركيين والإسرائيليين أصابوا بأموال آل سعود ثلاثة أهداف: حركة التحرر الوطني الفلسطينية، والأحزاب والحركات التقدمية العلمانية اللبنانية، وأصابوا أيضاً السلطة السورية . فأضعفوا مقاومة هذه الأطراف الثلاثة، التي افترقت وأحياناً تنابذت رغم أنّ مصلحتها كانت تقتضي اتحادها وتوحيد خطتها في مواجهة عدو مشترك، تعدّدت أشكاله فقط، ولكن هدفه كان معروفاً منذ البداية، تصفية المقاومة الفلسطينية، إفشال الحركة الوطنية اللبنانية، فصل سوريا عن لبنان وتدميرها.
كاد العدو أن يصل إلى هدفة المنشود لو أنّه لم يستعجل، ظنّاً منه أنّ ساعة الحسم قد حانت. تسلّمت المقاومة اللبنانية راية الكفاح الوطني، فردّت قوات الغزو الإسرائيلية في تموز ـ آب 2006 على أعقابها. بقيت هذه المقاومة عصيّة على «الكسر» رغم اغتيال السيد رفيق الحريري في 2005 ومحاولات إلصاق تهمة الاغتيال بالمقاومة، ورغم ثورة الأرز التي كانت في جوهرها «ربيعية» قبل الربيع العربي. يحسن التذكير بأنّ سوريا وإيران كانتا في حرب تموز 2006 إلى جانب المقاومة اللبنانية، بالضدّ من آل سعود وحكام الخليج ومعهم حكومتا مصر والأردن .
عشر سنوات ونيّف مضت ولا تزال الحرب على المقاومة مستمرة، وما تزال المقاومة تتصدّى بشجاعة وبسالة. لم يحقّق المعتدون هدفهم، ولكن العدوان لم يتوقف! خلاصة القول وقصاراه، إنّ الحرب تجري في بلادنا، يستتبع ذلك أنّ ضغط تكلفتها علينا سوف يزداد كلّما طال أمدها. ينبني عليه أنّ وقف العدوان صار مسألة ملحّة. هذا يتطلّب تصعيد المقاومة عن طريق توسيع قاعدتها الجماهيرية وتوحيدها، وابتكار أساليب ملائمة في المواجهة، بالإضافة إلى كفّ أذى المتعاونين مع الأعداء.

ثريا عاصي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق