المحلية

النجمة … حين أصبح للوفاء هوية – آية يونس

شاءت الصُدف أن أكون متواجدة بين مجموعة أشخاص من مكتب جمهور النجمة .. فإذا بي أتلقى الصدمة الأكبر والأجمل على حد سواء : حبي لفريقي منذ أبصرت عيناي النور ولففت بعلم النجمة بعد ساعات من تلقين أذناي الشهادة لم يكن في الحقيقة سوى نقطة في بحر عشق هؤلاء لنجمتهم-نجمتي أيضاً- .. فالعشق للنادي يا سادة ولد من رحم أمثال امهات هؤلاء فحسب ..

رجلٌ اسمر اللون ذو شيبة واضحة وسمارٌ انهكته شمس لبنان الحارقة .. بثياب العمل وصل .. بقعٌ سوداء انتشرت على ثيابه .. ويداهُ لم تخلُ من سواد عملٍ لقوته واولاده .. للوهلة الأولى ظننته جاء لإصلاح عطلٍ ما في المكان .. ولكن مهلاً .. بحزنٍ حقيقي اعتذر عن دقائق التأخير وطلب المسامحة…و ببسمة الواثق حيا الشباب المتأنقين.. جلس على الكرسي،تناول قلماً وورقة وبدأ العمل الأحبّ على قلبه .. عملٌ لا يجنِ منه ليرةً او دولاراً بل مهنة تروي عطشهُ في خدمة معبودته النجمة ..

داخل جدران المكتب لا فرق بين غني او فقير .. لا فرق بين ميكانيكي ومدير شركة .. لا فرق بين صحافيٍ و مدرب رياضي .. حبُّ النجمة و المزايدة بعشقها هو العلامة الفارقة ..

تدخل امرأة اربعينية فتنهمر عليها التحايا من الشباب .. حب كرة القدم ومعبودتهم النجمة ليس حكراً على الرجال فقط .. لها حق في حب وخدمة و تشجيع النجمة كما لهم .. تتسيد الطاولة بانوثتها .. تعطيها الأفضلية نعم .. ولكن  ليس مطوَّلاً .. فروَيداً انظروا إلى الجهة المقابلة لها .. هنا شاب بشوش سرق الأضواء منها .. يطلب الكلام فتتجه الأنظار صوبه وتلمع عيونهم .. وكأنه الأمل المنشود للغد الذي اشتاقوا له .. هو أصغرهم نعم ولكنه الأقرب للجمهور الجديد .. للصبي الصغير والفتاة اللذان كانا يرافقان والدهما منذ السبعينات من طرابلس الى بحمدون فبرج حمود والبقاع والمسافة تهون والعذاب يسقط حين تعلن صافرة الحكم نهاية المباراة بفوز عشقهم الأزليّ ..

تجربة الجيل القديم تختلط داخل جدران اربعة مع الجيل الجديد في صورة مصغّرة وطبق الأصل لجمهور النجمة داخل اسوار الملعب الحديدية: حديث السياسة والدين يصبحان كفراً ما ان تبدأ ألسنتهم بترتيل أحرفٍ أربعةٍ تجمعهم : النون والجيم والميم والتاء المربوطة ..

حكاية نادي النجمة وجمهوره ببساطة لم تعد كأي علاقة بين نادٍ لكرة القدم وجمهور يهتف للفريق في مبارياته .. بالنسبة لجمهور النجمة كل الاعتبارات تسقط هنا .. خذ مثلاً العاصفة التي ضربت لبنان من أقصاه إلى أقصاه ..لا مدارس و لا اشغال .. قالوا مجنون من يخرج في مثل هذا الطقس .. من اراد دفن والديه اجّل المهمة لحين انتهاء العاصفة .. ولكن عند اعتاب ملعب العهد وبرج حمود سقطت الموازين و كان الجمهور حاضرا والهتاف حاضر : “نجمة يا حياتي” .. ولو سألتهم لأجابوا بسمفونيتهم المشهورية .. “هي كلمة.. هي نجمة..هي امي وبيي وخييي ..”

شغف الجمهور بنجمته يا سادة يخترق اسوار العقل و يتعدىّ الجنون بأشواط .. قصةُ عشقٍ مستمرةٍ منذ عشرات السنين .. ببساطة ..هوَ نادي الوطن ووطنٌ في نادي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق