المحلية

اميركا تسعى لنظام إقليمي يزاوج بين إستيعاب مصالح إيران والحد من طموحاتها – حسام مطر

تحدّث الرئيس الأميركي هذا الأسبوع عن حظوظ إيران بأن تصبح “قوة إقليمية ناجحة جداً” بحال جرى التوصل لإتفاق بشأن برنامجها النووي. هنا يثار السؤال حول حقيقة الرؤية الأميركية لدور إيران الإقليمي المقبل؟ ما هي حدود الدور المقبول به؟ ما ضمانات أن تنضبط طهران ضمن الخطوط الحمر الأميركية؟.
كتب روبرت هانتر عام 2010 دراسة هامة في مؤسسة “راند” بعنوان “إعادة تشكيل البنية الأمنية في الخليج”، أثار خلالها جملة إشكالات حول إيران، هل ستكون هذه البنية مجهزة ضد إيران أو لإشراكها؟ ما حدود الدور الأميركي – الغربي في هذه البنية؟ وهل يكون رد إيران بالتعاون النسبي أم الرفض أو الإزدواجية بحسب كل قضية؟

إن مقاربة أوباما الحالية هي مقاربة الضرورة، أي أن ما يفعله أوباما هو ببساطة الإقرار بالتوازن الاقليمي القائم. أما من ناحية طهران، فهي تجد أن هذا الإقرار الأميركي وفي ظل الظروف الحالية يضمن لها حصاد الحد الممكن من المكاسب بعد 30 عاماً من “نثر البذور”.

القوتان الأميركية والإيرانية بحاجة لسنوات من التبريد وإستجماع الأنفاس. في الشرق الأوسط تتجلى مقاربة أوباما في “تبريد” المنطقة كلها وخفض النزاعات الى الحد الأدنى، بإعتبار أن “الشرطي الأميركي” مشغول بترتيب “بيته الداخلي”. إن إنفجار الفوضى في الشرق الأوسط قد يطيح بمصالح خصوم واشنطن لكنه بالتأكيد سيصل لمصالحها الحيوية ومصالح حلفائها الإقليميين ومنهم السعودية التي تُثبت اليوم من خلال دورها في التلاعب بأسعار النفط أن عونها للأميركي يتجاوز حدود المنطقة بكثير.

إذاً الحاجة الأميركية لتبريد المنطقة، مع ضرورة الإقرار بالنفوذ الإيراني دفعا الأميركي نحو مقاربة تهدف “لدمج” إيران بالنظام الإقليمي الذي يجري إعداده، بما يمنع إيران من السعي أو القدرة على مزيد من التمدد الإقليمي لسنوات قادمة. وهذا ما يمكن أن يؤدي على المدى البعيد الى تبديد العداء الإيراني تجاه واشنطن، يفتح مساحات للتواصل بين الطرفين، يلطف الخطاب الإيديولوجي الإيراني لصالح مقاربة إيرانية أكثر براغماتية، بل وربما محاولة فتح المجال الإيراني الداخلي للتأثير الأميركي الناعم.

بالمقابل يجد الإيرانيون أن خلق هكذا نظام وفي ظل ما يملكونه من معطيات قوة سيؤمن لهم فرصاً واسعة لتعزيز الروابط الإقليمية وتقليص إعتماد دول المنطقة على الرعاية والضمانات الأميركية. أي أنها ليست نهاية التنافس الأميركي – الإيراني بل إنتقاله نحو مظاهر أقل عنفاً وصداماً.

هذه المحاولة الأميركية ليست منطلقة من فراغ، بل تستند الى التجربة الأميركية في شرق آسيا حيث تجهد واشنطن لإحتواء الصعود الصيني. في ظل غياب أي إمكانية عسكرية لمعالجة صعود الصين، قام الأميركيون بدعم بناء نظام إقليمي ومؤسسات إقليمية تشجع التعاون المشترك مع الصين وتظهر لها المكاسب البعيدة الأمد، بما يقيد قدرة الأخيرة في التوسع العسكري. أي تؤمن واشنطن لحلفائها غطاءً وتوازناً عسكرياً من خلال الحضور المباشر، فيما تشجعهم على إمتصاص الصعود الصيني وعقلنة طموحاتها من خلال المؤسسات الإقليمية والتكامل الإقتصادي (التجارة البينية تشكل 53% من نسبة التجارة الخارجية لدول المنطقة).

هذه القدرة على حفظ الإستقرار في المنطقة، يصفها البعض بأنها كانت الأنجح منذ التسعينات حيث لا يزال الإستقرار ثابتاً والقبول بالدور الأميركي الوازن يبدو راسخاً.

إلا ان محاولة واشنطن إستنساخ تجربة مماثلة في الشرق الأوسط تواجهها جملة عقبات أهمها فقدان البنى التحتية (المادية والثقافية) لنظام أو بنية أمنية وإقتصادية إقليمية. لذا يبدو البديل الأميركي المرحلي هو تفاهمات إقليمية بين إيران وحلفاء واشنطن بالتحديد السعودية حول جملة من الملفات الإقليمية الأكثر حساسية. لطالما طرح الإيرانيون فكرة إقامة أطر للتعاون الإقليمي المشترك من خارج النفوذ الأميركي إلا أن عروضهم لم تلق صدىً من حلفاء واشنطن في الخليج تحديداً.

التفاهمات الموضعية المرتقبة قد تفتح مجالاً جدياً نحو بداية الإتفاق على معايير النظام الإقليمي الجديد بعد أن تم تجاوز السؤال الأهم حول دور إيران فيه، دور الشراكة الكاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق