المحلية

انحيازاً للمواطنة – احمد مطر

 

في ظل الاوضاع الراهنة في العديد من الاقطار العربية وما يمكن ان ينتج عنها .

وفي ظل بروز المذهب والطائفة كبنى سياسية ذات مرتكزات اجتماعية ، بات من الضروري العمل على استنباط مشروع تشكل المواطنة البنيان النظري له بهدف صياغة عقدا جديدا ينتج مجتمعات مدنية حديثة ، لا تقوم على اسس التوازن الطائفي بل يتاسس على اساس صلب ، محرر للفرد من الانتماء القسري الى بنى متخلفة ، ومحرر للمجتمع من تشظيه بهدف ايجاد انتماء حر ومستقل للفرد ونحو تاسيس اطر سياسية ، تتنافس فيها القوى الاجتماعية ليس على قاعدة المذهب او الطائفة ، بل على قواعد برنامجية على اساس المواطنة .

لان الاستمرار بالنظر الى البنى الطائفية والمذهبية كاطر ثابتة ومطلقة هى نظرة خاطئة ومعطلة للمواطنة .

ذلك ان هذه الاطر تبقى معطلةلاستقلالية الفرد وتستلب حريته وتنطق باسمه وتحدد خياراته وتدفعه للانزلاق الى حروب مع اطر مذهبية اخرى .

فالفرد يعرف بانتمائه القبلي او الطائفي ويتحدد وعيه السياسي والاجتماعي وفقا لعلاقات القربى ، فهو غريب خارج اطار جغرافية قبيلته او طائفته واعرافها وهو خارج التاريخ لانه يدافع عن تاريخ القبيلة او الطائفة.

ان سقوط البنى الاقتصادية للقبيلة لا يعني سقوطها التام وتحول الافراد الى مواطنين بل يتم اعادة انتاجها على اساس سياسي واجتماعي عبر انتاج مؤسسات سياسية على على اساس قبلي او طائفي ، وهكذا تتواصل فعالية هذه الاطر بحيث تصبح الطائفة او القبيلة واسطة بين الفرد والدولة ، فالعلاقة بين الفرد والدولة ليست مباشرة بل هناك وسيط يتحدث باسم الفرد ويفكر عوضا عنه وهو المحدد لخياراته الفرد بهذه الحالة مستلب الارادة وهو غائب كمواطن وكمشارك في الشان العام وحاضر كفرد من خلال المذهب او الطائفة .

ان هذه الاطر من اهم سماتها سيطرة الزعيم في الطائفة شانها شان العائلة ، فالاب هو المحور الذي تنتظم حوله العائلة اذا ان العلاقة بين الاب وابنائه وبين الحاكم والمحكوم علاقة هرمية ، فارادة الاب في الحالتين هي الارادة المطلقة .

فالقبيلة والطائفة اطارا للاستبداد لانها النتماء قسري لا طوعي ، تقوم على اللامساواة لانها ذات بنية متخلفة ووظيفتها قمعية بامتياز .

 اما المواطنة فهى متجاوزة لكل هذه الاشكال لانها رابطة قانونية حديثة لا تمييز فيها بين الافراد على اساس الدم او العرق او المذهب ، فالمواطن هو عضو في الدولة لافي القبيلة ولا في المذهب ولا في الطائفة تتحدد حقوقه وواجباته على قدر من المساواة مع غيره اما التعددية السياسية فهى تعددية مواطنية لا طائفية .

فالمواطنة تسهم اسهاما فعالا في انشاء متحدات طوعية وتنظيمات تقوم على اساس التعاقد بين اطراف وهذا ما يساهم بدوره في ارساء العلاقة بين الفرد والدولة ، اما اوسيط بينهما فليس سوى المواطنة والحقوق .

ان قيام رابطة المواطنة يفترض تفكيك البنى القبلية وغيرها من البنى المشابهة من اجل قيام مجتمع من المواطنين ملتزم بمرجعيات حقوقية وسياسية ، مواطنية ديمقراطية حديثة .

لذلك فالمطلوب عدم مهادنة تلك البنى لاغراض سياسية او تحت شعارات بالية كالحفاظ على الوحدة المجتمعية المرتكزة على التوازن الطائفي ، لان هذه الوحدة تبقى مهددة بانتاج الحروب والمآزق .

ان مطلب المواطنة يبقى مطلبا ملحا ذلك ان المواطنة بما هى بناء للمجتمعات على اساس المدنية والديمقراطية ،هي تقويض لجذور الاستبداد واعلاء لقيمة الفرد قيميا وسياسيا واجتماعيا .

ولكن كيف ىمكن الانتقال من مجتمع اهلي الى مجتمع مدني؟

كيف يمكن اقناع مذهبي او طائفي او عشائري بالمواطنة ؟

كيف للعقلانية ان تنتصر وللمدنية ان تنتشر ؟

ان المواطنة كواقع حقوقي مرتبط بتوازن بين الحق والواجب ضمن اطار سياسي (( الدولة )) لايمكن ان يقوم دون رؤية وبرنامج فالمواطنة هى نتاج للحداثة التي لا يمكن انتاجها الا عبر اتباع اسليب ديمقراطية من اجل تكريس واقع جديد كذلك المواطنة كاطار نظري تبقى بحاجة الى واقع اجتماعي حتى تتحول من وجود بالقوة الى وجود بالفعل.

لقد بدأ النزوع الى المواطنة في اوروبا بعد حروب دامية بين الكاثوليك والبروتستانت بالاضافة الى تحولات عميقة على كافة المستويات ثم سرعان ما تم توسيعها عبر تكريس سلسلة من الحقوق .

ان المطلوب ليس الدفاع عن المواطنة كمسالةوعظ وارشاد بل لابد من ايجاد مداخل عملية لها لتجسيبدها ضمن رؤية متكاملة ذات مرجعية وطنية لا مرجعية خارجية فالانحياز للمواطنة يحتم الدفاع عنها من خلال البدء بتجذيرها على المستوى التربوي والتعليمي والجماهيري والعمل على نشر قيمها وربطها بما هو سياسي واقتصادي .

ان المواطنة عمليا غير مجسدة بعد في مجتمعاتنا الا ان العزيمة والارادة والبرنامج والمشروع والرؤية الواضحة تشكل الضمانة لتحقيقها وهزيمة اعدائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق