المحلية

حزب الله يعترف على أبواب الإنتخابات: مقصّرون وينخرنا الفساد

لا شكّ أن جريدة “الأخبار” هي الناطق شبه الرسمي بإسم “بيئة حزب الله”، إن لم نقل باسم “العقل السياسي لحزب الله”، أي أنّها تنقل ما يدور في أروقة هذا العقل من اهتمامات وهواجس وهموم، وكذلك من نرجسية في معظم الأحيان، كما حين تتعالى الجريدة بمقالاتها على خصوم الحزب، وأيضًا والأهمّ، أنّها تنقل في مرّات متكرّرة وعديدة، تهديدات بالقتل لبعض الخصوم، ودومًا بإدارة تحريرية من إبراهيم الأمين، وغالبًا بقلمه وتوقيعه.

جريدة “الأخبار” حضّرت ملفًا نشر اليوم بعنوان “حزب الله وجمهوره: متى تحين أولوية الخبز؟”، وفي الملفّ ثلاث مقالات، أحدها لمحمد نزال، صاحب القلم الرفيع والجميل، بعنوان “المقاومة إذ تهاب العيش”، وثانٍ للكاتبة ليا القزّي، بعنوان: “واجبات حزب الله تجاه بيئته: أبعد من النصر”، وثالث بتوقيع إبراهيم الأمين، وعنوانه: “حزب الله: أما آن أوان المراجعة بشأن السياسة الداخلية؟”.

 

لا بدّ من الإعتراف أنّه ملفّ جميل، ولا بدّ من رفع القبّعة لإدارة الجريدة التي تجرّأت على كتابة ما لا يجرؤ خصوم حزب الله السياسيين على قوله وكتابته، اللهمّ إلا بعض خصومه الشيعة، الذين يدفعون ثمن كتاباتهم تلك، فيتحوّلون على ألسنة جمهور حزب الله إلى “عملاء لإسرائيل” و”تكفيريين” و”مسترزقين” إما لدى “الصهاينة” أو لدى “السعودية” أو “قطر”… واتهامات مشابهة ما أنزل بها الله من سلطان.

لكن أن تأتي هذه الكتابات في جريدة حزب الله، وبأقلام موظفين لديه، ومؤمنين بسياساته حتّى الرمق الأخير، فهذا يستحقّ اعتذارًا علنيًا من كلّ كاتب شيعي ردّد ما ورد في مقالات “الأخبار” اليوم، المطلوب اعتذارات جديّة من هؤلاء، بالمفرّق، على ما لحق بهم من تشويه لسمعتهم ومن إساءة لهم في محيطهم، فقط لأنّهم قالوا كلمة حقّ، ها هم كتّاب حزب الله يعترفون بها على أبواب الإنتخابات النيابية.

 

ولا مفرّ من الظنّ بأنّ هذا الملف لا يزيد عن كونه ذرّاً للرماد في عيون الخصوم، وذلك على قاعدة: “إكتشفنا عيوبنا، وسنعالجها، فلا تنفضّوا من حولنا، ولا تصدّقوا من يقول هذا الكلام”، أو على طريقة من يحاولون الالتفاف على المجتمع المدني بسرقة خطاباته، ومسابقته إلى جوار هذا النهر أو ذاك الشاطىء، بادّعاء “الهتاف ضدّ السلطة”، هتاف لا يزيد عن كونه “استعارة”، بهدف تأبيد السلطة والحفاظ عليها في لحظة استحقاق ما.

بالتأكيد فلا يحقّ لمن تصدّر النيابة والوزارة الشيعية 27 عامًا، منذ انتهاء الحرب إلى اليوم، لا يحقّ له أن يقول لنا: “حسنًا نحن مقصّرون وفاسدون، لكن قرّرنا أن نصحّح اعوجاجاتنا، وأن نقلّم أظفار السارقين من بيننا، وأنّ نعيد للناس حقوقهم”. بالطبع ليس قبل الانتخابات بستة أشهر، وبأيّة حال، متروكة الأمور للناس أن يصدّقوا أو ألا يصدّقوا.

المفيد في ملفّ جريدة “الأخبار” أنّه قدّم قراءة يمكن بحقّ اعتبارها “وثيقة سياسية” يمكن لقوى الإعتراض الشيعي الركون إليها، وتعميمها، وتوزيعها، واستخدامها كخطاب انتخابيّ لهذه المعارضة.

 

في المقال يعترف ابراهيم الأمين

بأنّ حزب الله يخوّن خصومه كلما فتحوا سجالاً مطلبيا، فيكتب داعيا إلى “السجال الذي يجعل الخدمات العامة أمرًا عاديًا، لا علاقة له بالسجال الوطني الكبير، والذي يجعل حياة الناس أفضل من دون ربط مصير وزارة الصحة بمصير الصراع العربي – الإسرائيلي”، ويعترف بأنّ “استقالة الحزب من المسألة الداخلية دفعت ببعض أبناء بيئته، ممن يعملون في مختلف القطاعات، الى التسلح بهذه الاستقالة للتشابه مع الآخرين في طريقة إدارة أعمالهم، هكذا «انفجرت» فضائح الاسواق العقارية والاستهلاكية وفُرّخت المنشآت السياحية والتعليمية والصحية من دون دراسة أو تخطيط. وهكذا صار الإعتداء على الحق العام والأملاك العامة في هذه البيئة كأنه أمر عادي، وهكذا تعززت فوضى الإنخراط في البناء الداخلي، وصار الركض خلف توظيفات المحاسيب والأزلام واعتماد طريق الوساطات غير النزيهة لتسهيل أمور فيها الكثير من المخالفات للقوانين العامة، وهؤلاء لم يتوقفوا يومًا عن حبّهم ودعمهم للمقاومة، وبينهم من يرفع سقف شعائره وطقوسه الدينية، ظناً منه أنها تمثل الحصانة له…”.

ويضيف ابراهيم الأمين في واحدة من تجليّات تاريخية في مسيرته المهنية، وتُرفع القبّعة لجملته التالية: “إعلان الحزب استقالته العلنية (قالها السيد حسن نصرالله بلسانه) من مهمة مواجهة الفساد في لبنان، لا يحاصر هذه التحركات فقط، بل هو يمنح الحصانة للفاسدين الذين يعرفون أن صرخة حقيقية تصدر عن الحزب وجمهوره كافية لهزّ الأوضاع كافة، والمشكلة هنا أن الحزب لا يخالف المتحركين في مطالبهم، لا بل إن جمهوره متعاطف الى أبعد الحدود، لكن الحزب مانع لتفعيل هذه التحركات، وعائق أمام مشاركة جمهوره فيها، ما يعني عمليًا تعطيل واحدة من أكبر حيويات المجتمع عندنا من المساهمة، أقله في وقف الفساد، إن لم يكن بالإمكان المحاسبة”.

 

وفي مقال القزّي

تكتب أنّ “الحروب والحسابات الإقليمية الكبيرة تدفع بالجمهور إلى غضّ النظر عن حاجاته اليومية، فيُصبح التفاف البيئة الحاضنة حول حزب الله غير خاضع لأي «مُحاسبة» في ما خصّ المسائل الأخرى”، وتحذّر من أنّ “التفاف الجمهور حول المقاومة لا يعني أنّه لا يرفع صوته مُطالباً بتأمين حاجاته اليومية. «نحن معكم. مُستعدون لتقديم كلّ ما تريدون لأننا نؤمن بهذا المشروع. ولكن ماذا عن الماء، والكهرباء، و.. ما الحلّ لهذه القضايا؟»، هذه صرخة جزء كبير من الناس يُدركها مسؤولون في حزب الله، وقد بدأوا بتناقلها، خلال الندوات السياسية، والتواصل اليومي مع القاعدة، يسمع المسؤولون من الرأي العام أنّه: مُستعدّ لتحمّل كل شيء، ولكن أنتم (حزب الله) من واجبكم تحسين أوضاعنا الإقتصادية”.

نختم بقلم محمد نزّال الجميل

الذي كتب التالي: “مَن يعرف أبا ذر الغفاري أكثر مِن «المقاومة»؟ تحدّى خلافة، وحده، كانت قد أصبحت إمبراطوريّة، مِن أجل العدالة الإجتماعيّة، وعلى هذا عاش ورحل وحيدًا غريبًا ترك لنا تلك المقولة: «عجبت مِمّن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه»، على الناس.. كلّ الناس! إنّها هزّة للجميع، ألم سحق العدل يوصل إلى هنا وأبعد”.

ويختم النزّال مقالته معلنًا: “أن تنتصر ثم تعجز عن البناء، هكذا، أصبحت تجربة عاشها جيلنا، وحولها الآن ألف سؤال، إن لم يكن الحزب يريد، أو لم يكن بإمكانه، المضي في هذه المعارك (الحياتيّة)… فلِمَ لا يُعمل على حركات اجتماعيّة يقودها الذين لا يُعادون المقاومة، يتولون المهمة، وفيهم كلّ الزخم؟ مِن الذين يعتقدون أن الطعام والشراب والطبابة والتعليم والأمن الإجتماعي أشياء ليست مِن قبيل الترف، هذه ثقافة ليست نامية في بيئة المقاومة؟ ربّما، وهذه ورطة”.

هذا الملفّ كافٍ ليعلن كثيرون انصرافهم إلى تشكيل لوائح للإنتخابات النيابية على أسس مطلبية، تواجه “فشل حزب الله في إدارة الشأن العام”، ليس أقلّ من هذا.

جواد صالح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق