المحلية

ستظل أمواج السعودية تتكسّر في اليمن والمنطقة..!

حاولت السعودية وحلفاؤها أن تُسابق الزمن وتجترح نصراً ما، من خلال حشد أكبرعدد ممكن من المقاتلين والمعدات والآليات العسكرية المسنودة بمئات الغارات الجوية، في أكثر من عشر جبهات، في ذباب ( الشريط الساحلي ) وتعز بمختلف جبهاتها، ولحج والبيضاء ومأرب والجوف والمناطق الحدودية في الطوال وحرض وغيرها، غير أن جميع هذه المحاولات وما سخر لها من إمكانيات ضخمة جاءت بنتائج عكسية تماما.

الإستراتيجية السعودية واضحة، وهي السعي الحثيث لتحقيق أي نصر عسكري سواء كان، شكلياً، أم إعلامياً، شعاراتياً يسبق أو يتزامن مع مفاوضات مؤتمر( جنيف 2 ) الذي انطلق في الـ ( 15من شهر ديسمبر الحالي 2015 ) وربما أن الذي شجّعها وجعلها تحرث في الهواء وتسقط من جديد في مادة الحساب، هو سيطرتها المعنوية على جزيرة حنيش الكبرى التي ظلت حاميتها العسكرية اليمنية صامدة في وجه بوارج وطائرات تحالف (المملكة) طيلة (9أشهر) لتنسحب منها مؤخراً كتكتيك قد يصعب على جيوش كجيش الرياض استيعابه أو الإستفادة من دروسه.
تُخطىء (الشقيقة الكبرى) حينما تستهدي في كثيرٍ من مغامراتها بالأهواء وتكتفي بالركون على فتاوى حُرّاس عرش (الدرعية ) وإمبراطوريات إعلامية موجهة لصالحها وبمختلف اللغات، وحينما نقول إنها مخطئة (100%)  فإننا نعودُ ونسنتندُ لعدد من الحقائق والممارسات التي قامت وتقوم بها وتؤدي بمجملها إلى إسقاط كل المشاريع المحترمة ( قومية – إنسانية – وطنية ) اضف إلى ذلك أنها لم تستفد من نصائحنا كعرب وكمتابعين، وكثيراً ما قلنا لها إن إعلان الحرب وبهذه الطريقة على بلد كاليمن وإنتظار إنتصار في نهاية المغامرة يُعدُّ ضربا من المستحيل، سيما في ظلّ تضاريس البلد الطبيعية التي لا ترحم أحداً، اضافة لتركيبته القبلية وتعقيداته المتشعبة وإنسانه الشرس المتمرّس في القتال، المتعوّد على شتّى أنواع الشدائد، ناهيك عن وجود جيش حقيقي ظل علي عبدالله صالح يهتمّ به تأهيلاً وتدريباً وتكتيكاً وخوض عدد من الحروب الحقيقية هنا وهناك لأكثر من (30) سنة، ولا ننس، أيضا، أمراً هاماً في هذا السياق، وهو وجود شخص بكامل حيويته وتجاربه وقواه العقلية وحضوره الضارب في المجتمع، اسمه ( صالح ) الذي لا نخلع عليه الأسطورة أو المعجزة، إنما نقول عنه بما نعرفه وتؤكده وقائع ومعطيات الميدان التي لا تحتاج لأي دليل اضافي لاثبات تفوّقه السياسي والميداني هو والجيش ولجان الثورة ومن يتحالف معهم في مواجهة السعودية وحلفائها.
فصالح والقوى المناهضة للسعودية اكدوا بالفعل إنهم أقوى وأذكى من الآخرين، وقد استطاعوا إلى اليوم أن يقلبوا الطاولة على خصومهم الذين فقدوا عنصر المفاجأة الذي يبدو إنه  صار حكراً على صالح وحلفائه، ولعل أولى بداياته كانت يوم (5 يونيو 2015) حينما اطلق الجيش واللجان الشعبية صاروخاً بالستياً على قاعدة خميس مشيط الجوية في جنوب السعودية ومن نتائجه الصاعق للسعوديين مقتل قائد قواتهم الجوية اللواء الركن  /محمد الشعلان وعشرات الضباط، وإن كانت الرياض لم تعترف بذلك رسميا، لكنه غدا واقعا بشهادة عشرات التقارير الاستخباراتية الغربية.
والعنصر الثاني من عناصر المفاجأة التي امتلكها خصوم المملكة في اليمن كان يوم (25 أغسطس 2015) حينما قتلوا قائدا عسكريا كبيرا بمنطقة جيزان هو اللواء الركن / أبوجرفة الشهراني –  قائد لواء الملك عبدالله الثامن عشر، وبعده بفترة قصيرة قتلوا في جيزان قائد آخر ( قائد لواء حرس الحدود) يحمل نفس الرتبة ويتمتع بنفس الأهمية.
أما المفاجأة الأكبر والأخطر فقد كانت يوم (4 سبتمبر) في مأرب عندما اطلق الجيش اليمني صاروخ ( توشكا ) على تجمعات قوات ( التحالف السعودي ) التي كانت تُخيم  في منطقة صحن الجن، وأدّى يومها لتفجير مخزن ضخم للذخيرة والسلاح، ادى بدوره لمقتل أكثر من (100) جندي خليجي ويمني، وقد حسم ذلك الصاروخ تقريباً معركة مأرب، وما يجري من حينها إلى اليوم في  بعض جبهات القتال في تلك المحافظة ما هي إلا عبارة عن فقاعات ومحاولات يائسة، محطّمة.
أما آخر عناصر المفاجأة التي امتلكها الجيش اليمني ولجان الحوثيين فقد كانت يوم (14ديسمبر2015) اليوم الذي مُرغت فيه ومن جديد أنف السعودية وحلفائها، من خلال عدد من الضربات التي تلقتها قواتهم في أكثر من جبهة، كان أكثرها مرارة قصف تجمّع كبير لها بصاروخ (توشكا ) في صحن جنٍّ آخر هذه المرة اسمه ( الكدرة بشعب الجن / باب المندب ) ومن أهم نتائج تلك الضربة مقتل قائد العمليات الخاصة السعودي/ العقيد الركن/  عبدالله السهيان وقائد إماراتي موازي له بالرتبة والأهمية وهو العميد / الركن / سلطان محمد علي الكتبي، إلى جانب عدد غير قليل من الجنود والضباط بمن فيهم قائد قوات المرتزقة الأجانب التابعين لشركة ( بلاك ووتر ). وتزامن ذلك، أيضا، مع مقتل (19) جندياً وضابطاً للتحالف أثناء المواجهات التي دارت بينهم والجيش واللجان الشعبية التابعة لحركة انصار الله في منطقة كرش بلحج، اضافة لاطلاق صاروخين بالستيين مطورين يمنياً على قاعدة خميس مشيط ومطار جيزان.
عِبر كثيرة للأسف الشديد لم تستفد منها السعودية في حربها على اليمن، وأشياء كثيرة، أيضا، لم تُدركها ومن ضمنها إن الجيش اليمني أستطاع أن يُسخّر كل الأفكار والخطط وكل ما هو تحت يده من أسلحة وقدرات في هذه المعركة، ومن ذلك تحويله المذهل للصواريخ البحرية المخصصة، أصلا للقصف من السفن الحربية على سفن أخرى في المياه أو من البحر إلى البرّ، حولها إلى صواريخ تقصف من البر إلى البحر وتُصيب أهدافها بدقة عالية، ومن نتائجها إصابة أكثر من ( 8) سفن وبوارج حربية في باب المندب والساحل الغربي للبلاد على فترات مختلفة.
نخلص بالقول إلى أن السعودية وطالما ستواصل السير في هذا الطريق، مُستمتعة بخوض غمار ما تجهل، ستظل تتجرّعُ الخسائر الفادحة وفي مقدمتها الأخلاقية، مالم تُبادر لدعم وانجاح حل سياسي سلمي يخرجها من هذه الورطة بماء الوجه وينهي الصراع والأزمة السياسية اليمنية عموماً .
وما لم تكفّ السعودية، أيضا، عن اللعب بالمتناقضات في منطقتنا، وإزدواجية المعايير التي تتخذها  في محاربة التطرُّف تحديداً فإنها ستدفع بالمنطقة، من حيثُ لا تشعر للفوضى الشاملة، ومزيد من التخبط وتشتيت جهود ومقدرات الدولة السعودية والدول والقوى الإقليمية العربية الفاعلة التي يُعول عليها الصمود في وجه هذه العواصف الهوجاء .
وبعيدا عن الاسترسال أكثر مما ينبغي في الحديث عن قضايا ومواضيع كهذه التي تبدو دروبها طويلة، ومسالكها وعرة، بحكم إن عنوانها الأبرز هو : الشقيقة الكبرى و( خليجنا ) الخاسر، الغارق في الثراء، الفائض بالغباء، سأختتم حديثي وأقول : تذكروا يا أبناء اليمن ويا كل أبناء العروبة إن ما يجمعنا أهم وأقوى بكثير مما يُفرقنا وإن مجالنا العمومي المشترك هو التعايش والسلام وتوحيد الصف، وليس الطائفية والتعصب والتكفير ونشر الأمراض والفيروسات التي حتماً تفضي للصراعات والإحترابات الأهلية والموت الجماعي واستحضار الأوهام واستدعاء الأجنبي.
عبد الكريم المدى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق