المحلية

“طزّ”.. من اين جاءت وماهي دلالاتها في السياسة!

يتصور كثيرون ان كلمة “طز” فجّة وبذيئة وغير مؤدبة، نعم.. قد تكون احيانا هكذا كغيرها من الالفاظ السالبة والموجبة اذا ما استخدمت في غير محلها، كأن تستخدم اسمى الكلمات في وصف ارذل الاشخاص والاشياء.. اذا المشكلة هنا في تطابق الصفة بالموصوف او الطز بالمطزوز!

مثلا عندما تعلم علم اليقين ان “زيدا” او “عمرا” من الناس: مقامر، سكير وشارب خمر وافيون، زاني وزير نساء، سارق أموال آلاف (بل ملايين) الناس، خائن ومتعامل مع الاعداء، منافق يبطن غير ما يظهر… لا اطيل الوصف عليكم باختصار مثل ملوك السعودية.. ثم ياتي من يسميه بـ”خادم الحرمين” و”ولي الأمر الذي تجب له البيعة”.. في مثل هذه الحالة، ماذا سيكون جوابك لهؤلاء الطبالين واللاعقين والتافهين غير “طز” وانت من تحترم نفسك والفاظك.. ومن يشكل عليك استخدام اللفظ “العنيف وغير اللائق” أحله الى استخدامات الالفاظ عند مظفر النواب، ومنها قصيدة “تل الزعتر” وما حوتها من الفاظ وصور “نابية” معبرة! خاصة وانها ارتبطت بالقمة العربية (او الاسلامية لا ادري)، يقول مظفر في قصيدته الشهيرة تلك:
“عاصمة الفقراء لقد سقطت
لن ابكي أبدا من قاتل
لن أبكي إطلاقا
ابكي من يبحث في القمة عن دولته
نزل الشرفاء من القمة
آثار سحاق في جبهتهم
أكثرهم خجلا كان الماموث
رأيتهم أحدا يحمل قرنا منقرضا
ألقوا القبض عليه
فذاك ملك القوادين جميعا
غاص بوحل الردة إلا رأس القرن فظلت بارزة
وسخ كل الظلفيات الوطنية
وحلها
جعل الردة شاملة .. وحد أعلام الردة
أصحاب الأظلاف اجتروا فالظلمة قاسية
هذا ليل عربي…
والمذبحة انطفأت توقيتا
قبل القمة
اتهم الماموث النجدي وتابعه
…”

اعود الى لفظة “طزّ” المثيرة للجدل!

تقول موسوعة ویکیبیدیا فی نسختها العربیة ان کلمة “طز” (التي أفضل ما یمکن أن یردّ بها على الواقع العربي الاعرابي الحاضر) تعني في اللهجات العامية العربية اللامبالاة والسخرية، والغریب ان اللفظة المعبرة جداً “طز” هي كلمة قديمة عثمانية الأصل تعني الملح وتلفظ في التركية “تووز”.

أصل الكلمة:

عندما كان الأتراك يسيطرون على بلاد وحواضر العرب  وفي مراكز التفتيش (السيطرات بالتعبير الحديث) التي یقیمونها على مداخل المدن العربية المحتلة، وحيث كان العرب يذهبون لمبادلة قمحهم بسائر الاشياء ومنها الملح، وخوف الاتراك من ادخال السلاح أو اي شئ يوجب القوة والثورة ضدهم.. كانوا عندما يمر العربي من نقطة التفتيش والسيطرة يسأله العسكري التركي ماذا معك؟؟
فیجیب العربي ومعه اكياسه: (طز) (طز) (طز).. اي انه مجرد ملح لا قيمة له.. فيرد عليه الجندرمة (العسكري) التركي (طز) اذهب بدون تفتيش لا قيمة لما معك!

لهذا فان طز تعني ان الامر والخطب وما وقع وما سيؤول اليه المصير و…الخ، لا قيمة له ولا يستحق ان تفكر به وتحسب له حساب، شئ لا يستحق ان يحتل حيزا من اهتمامك وتفكيرك.. بالضبط مثل كل القمم العربية خلال العقود الاربعة الاخيرة خاصة بعد ذهاب القذافي الذي كان يبهر المشاهدين ويضحكهم بمشاكساته مع المجموعة الخليجية.. ومثل القمم الخليجية التي تسكرك ضحكا على خيبة هذه الامة الاعرابية وجهل المشايخ والامراء الذين لا يتقنون قراءة سطر ولا تلفظ كلمة مما كتب لهم..

القمم الاسلامية كانت تختلف بعض الشئ سابقا لان فيها أمم وحكومات تحترم نفسها وشعوبها.. فيها الايرانيون والاتراك والباكستانيون والماليزيون والاندونيسيون وامم اخرى تجعل من القمة لا تاخذ طابعا عربيا (مع احترامنا لبعض الدول العربية التي عرفت بالحكمة والمقاومة) او اعرابيا…

لكن القمة الاخيرة في اسطنبول ورغم ان كثيرا من المشاركين فيها من غير العرب لم يوقعوا على فقرات البيان الذي لم يقرأ لعدم الاجماع عليه، تلك الفقرات التي دسها السعوديون والخليجيون عامة لاسباب طائفية ضد ايران وحزب الله.. هذه القمة في تقييمها النهائي ستكون من فئة “طز” العربية والخليجية.. لان الاتراك نافقوا وجاملوا فيها، وارادوا وفق السياسة البراغماتية التي يشتهرون بها ان يرضوا بقرتهم الحلوب “السعودية” ويطيبوا من خاطر جارهم القوي والعنيد ايران..

يقال ان أحمد داوود أوغلوا وبينما كان رئيسه رجب طيب اردوغان في اسطنبول يلملم نفايات القمة، ذهب لاستقبال الرئيس الايراني حسن روحاني الذي ترك القمة غاضبا الى زيارته الرسمية لأنقرة.. نعم يقال ان داوود اوغلوا ذهب متغنيا باشعار المولوي جلال الدين الرومي والحديث عن التصوف والمشتركات الايرانية التركية وعمقها الديني والثقافي والقومي حتى!

الايرانيون وكما معروف عنهم “يذبحون بالقطنة!”، نفسهم طويل جداً ولا ينفعلون بسرعة، عكسنا نحن العرب، رغم ان اصولهم العرقية اقرب الى الهند منا.. حتى الباكستانيين وهم هنود في الاصل، ورغم كل التوابل والبهارات والفلفل الحار والعنبة التي يستخدمونها في اطعمتهم وأشربتهم لا ينفعلون في السياسة، انظروا الرد الباكستاني على ادخالهم في التحالف العسكري السعودي من قبل الرياض، وفي موقفهم من العدوان على اليمن، رغم ان بعض طياريهم ولربما المتقاعدين تم استأجارهم من قبل الجيوش الخليجية ( كسائق سيارة حكومية أو سواق بنغلاديشي في مدن النفط العربية!) وشاركوا في قتل الشعب اليمني.

اعود الى الايرانيين.. اعتقد ان السلوك الايراني سيختلف كثيرا مع ما كان قبل قمة اسطنبول، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الانظمة الخليجية وحلفائهم، ولعل في رفضهم حضور اجتماع الدوحة النفطي وفشله في النهاية ودفع السعوديين الى الانفعال ولربما اغراق السوق النفطية، تزامناً مع اضراب عمال النفط في الكويت وزيارة منسقة السياسة الخارجية فيدريكا موغيريني الى طهران وارتباك الوضع الامني في السعودية وتهديد الاصول المالية السعودية (700 الى 1000 مليار دولار) بالتجميد فيما لو أقر الكونغرس قانون ضحايا 11 سبتمبر التي شارك فيها 15 سعوديا من بين 19 انتحاريا ارهابيا.. وتلكؤ مفاوضات الكويت اليمنية والمعارك الضارية في حلب والحشود الصهيونية على مشارف غزة..

واعتقد ان جهاز السياسة الخارجية الايرانية سوف يتصرف “بعزة” اكثر ازاء الوضع العربي، ولربما سيضيفون “طز” اخرى في مواجهة الانظمة الخليجية التي اصبحت في جهل مركب في تقييمها لنفسها ولمن حولها…

اعرف الايراني اذا غضب، واعتقد ان هذه الايام هي ايام غضب ايراني على كثير من الملفات وفي مقدمتها الالتزامات الاميركية تجاه ايران وفقا للاتفاق النووي بسبب محاولات اميركا في التملص من استحقاقاته و”اياكم والحليم اذا غضب”.. رغم كل المساعي التي يبذلها الاوروبيون لترطيب خاطر الايرانيين..

واعتقد ان الايرانيين قريبين كثيرا من قول “طز” كبرى في وجه الاميركيين.. “طز” اول من يدفع ثمنها الخليجيون ومن معهم من العرب فهم الذين عارضوا الاتفاق سيكونون أول من تنكسر جرة الاخلال به على رؤوسهم.. وعلى نفسها جنت موزة!

مروة أبومحمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق