المحلية

غزة .. كان ياما كان

عندما تبحث عن الحياة بين حجارة القبور فاعلم أنك في غزة .

غزة التي تمنى الموت ان يخطفها يوما ويغرقها في بحرها اليتيم فعاشت فيه كالأسماك ولم تمت , تلك التي ظلت تحبل بأبنائها ولم تصاب بالعقم يوما رغم كل الأمنيات ..

غزة التي كانت كل الالوان تزين سماءها، ورذاذ بحرها المتطاير يداعب قلوب كان لازال الحب فيها مباح .. لم تكن وردية.. في يوم من الايام قسمتها الحواجز ولكنها ظلت تعيش وظلت كل الالوان تزينها ..

المساجد كان لها رونقها الذي يجذب النفوس المتعبة والشوارع تسمع فيها صوت الحياة وفيها ذلك الطفل المتسول يقف وحيدا وفيها ذلك الملثم الذي وعدنا أن يموت لنحيا ..

وفيها ذلك الذي كان يتفاوض فيصيبنا بخيبة أمل تتجدد مع كل اتفاق فنتذكر حينها انه مازال هناك ذلك البطل الملثم الذي سيكتب بحبر بندقيته الحرية في يوم من الأيام.. كان للشهداء وجه آخر، كان لفراقهم حزن آخر، كان للبكاء عليهم دموع تتلون بكل الالوان…

للفراق كان هناك هيبة … كان وكان وكان وأصبحت اليوم لاطعم لها ولا لون ولا رائحة .. باتت هي اليتيمة على أعتاب بحرها باتت تنجب الأبناء على استحياء دون أن تسميهم، فالأسماء لمن ستكتب له الحياة .. غزة لم تعد ملونة .. المساجد لم تعد بيتا تشفي الأرواح المتعبة والشوارع تسير فيها أجساد وضعت أرواحها جانبا ومضت تسير في اتجاهات متعاكسة وذلك الطفل لم يعد وحيدا فقد بات التسول وجهة الفقراء ..

وذلك البطل الملثم قد ضاع بين أقنعة كثيرة أبحث عنه فأجده مبعثرا احيانا أراه يحاكي ذلك الفريق الذي يئسنا من أوراقه وأحيانا أراه يرسم لنا أحلاما من سراب أحلام أقلعت من ذلك المطار الوهمي … حتى من نظن أنه رأس الهرم فقد سقطنا من اوراقه سهوا او عمدا .. لم يعد هناك متسع للحزن على الشهداء لأن الحزن يسكننا حتى على من بقي حيا ينتظر حربا جديدة تخطف ما تبقى من حياة .. أعتذر يا غزة… مياهك أحلى من الزمزم، منازلك معمرة، شوارعك مضيئة، هزيمتك انتصار والفقراء فيك أغنياء من التعفف، والموت فيك حياة .. هكذا يجب أن نراك وإلا نكون خائنين.
اسراء البحيصي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق