المحلية

كوكب الأرض…وجدلية البقاء للأقوى – مشلين بطرس

 


عند التوغل في جذور التاريخ البشري نجد أن نتائجه المأساوية تفصح عن معاناة شعوب مستضعفة تعرضت للتهجير القسري، فكان استحواذ تاريخ الظلم وخلفيته على المظلوم يخبر عن مآسيه التي ماتزال قائمة إلى يومنا هذا كالشعب الفلسطيني المحتل، وشعوب أخرى أيضا تعرضت لإبادات جماعية وحشية كالشعب الأرمني.

لنرى أن (كل حرب في التاريخ بقية معلقة من حرب سبقتها) وهذا ما أشار إليه محمد حسنين هيكل في كتاباته وتأريخه لأحداث الزمن.

ومن تصريح الصهيوني بن غوريون الذي دون في مذكراته: (أرحب بتدمير يافا، ميناء، ومدينة. إذا ذهبت يافا إلى الجحيم، فلن أحسب نفسي من الباكيين عليها)، إلى تصريح ناظم الإيديولوجي في جمعية الاتحاد والترقي، وذلك في جلسة مغلقة في شباط عام  1915 (من الضروري جداً التخلص من الشعب الأرمني بأكمله حتى لا يبقى أرمني واحد على وجه البسيطة، ويُقضى على أرمينيا)

فنجد أن هذين التصريحين ينبعان من صميم الشر والحقد، ويصبان في مجرى العنف والوحشية.

استعمار ومجازر:

إن الفلسطينيين ومنذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وسنة 48 وهم الطرف المتلقي للضربات المتعاقبة على يد الصهيونية وحماتها، فعام 1876 وهو عام بدايات الحركة الصهيونية في أوروبا الشرقية، وعام 48 هو عام قيام إسرائيل عنوة وقسراً، وبداية الشتات الفلسطيني.

وبالرغم من الإعتراض والرفض القاطع من قبل الفلسطينيين، إلا أن موقع (تباح تكفا) هو أول مستعمرة أنشئت في فلسطين (بالقرب من يافا) سنة 1881 . كما وقد رفض الفلسطينيون نظام الانتداب ونددوا مستنكرين بوعد بلفور، وقد التصقوا أكثر فأكثر بالحركة الوطنية العربية بقيادة الشريف حسين، وقد أفصح عن قوة موقفه انذاك تضامن العرب معهم، و(هذا أقله)، لكن الإستعمار الصهيوني أوغل في وحشيته وأبى إلا أن يُشهد التاريخ على همجيته وبربريته، فقد قامت بحق الشعب الفلسطيني مجازر ومذابح دموية لا تعد ولا تحصى، ومنها مجزرة حيفا وطيرة ويافا.

أما مجزرة أم الشوف التي تقع إلى الجنوب الشرقي من حيفا، فقد احتلتها قوات الإرغون التي عمدت إلى قتل 7شبان من العرب المعتقلين، كما أنه تم حرق لحم حي في مجزرة عيلبون عام 30/10/1948، حيث أحرق جنود الهاغاناه 10 شباب فلسطينيين مسيحيين في كنيسة القرية وهم أحياء.

وفي حولا اللبنانية أيضاً ارتكبت مجزرة فظيعة، حيث وبعد انسحاب جيش الإنقاذ الرابط على تلة العباد فترة3 أشهر عمل الصهاينة على الإنتقام من حولا وأبنائها ولجوؤا إلى الخدعة، ففي 31 تشرين الأول1948 هاجم الصهاينة متنكرين بزي جيش الإنقاذ (الكوفية والعقال) من داخل الأراضي اللبنانية من الجهة الشمالية لحولا، وبما أن الأهالي كانوا ينتظرون مجيء القوات العربية لتحل مكان القوات المنسحبة، فقد ظنوا أن الجيش القادم هو جيش عربي، فبدؤوا يرحبون به، الأمر الذي ساعد الصهاينة على شن أكبر حملة إعتقالات في صفوف المرحبين من شباب وشيوخ ونساء وأطفال، وقد وقع في الأسر 85 شاباً وشيخاً، وعدد آخر من النساء والأطفال، بعدها جرى تقسيم الرجال إلى ثلاث مجموعات(على حسب العمر) وتم وضع كل مجموعة في منزل.

عمد العدو بعد ذلك إلى إطلاق النار على المعتقلين وأيديهم مرفوعة على الجدران، ثم نُسفت المنازل فوق رؤوسهم ومات الجميع، أما النساء والأطفال فإنهم سيلاقون نفس المصير لولا تدخل مراقبي الأمم المتحدة في الوقت المناسب. ومنها إلى مجزرة كفر قاسم، ودير ياسين، ومجزرة غزة، وغيرها الكثير ، فلو أردنا ذكر كل المجازر وتفاصيلها فإن العشرات من المقالات لا تكفي لعرض وحشية تلك المجازر والإفصاح عن ظلمها.

قرار….وإبادة:

في تلك الليلة المشؤومة من ليال نيسان، وفي اليوم الرابع والعشرين من أيامه عام 1915 بدأ القدر الظالم يتسلل إلى سماء الشعب الأرمني، ففي تلك الليلة إعتقل المئات من القادة السياسيين والمفكرين الأرمن في اسطنبول، وتم اغتيالهم كمرحلة أولية لأول إبادة في القرن العشرين فكانت تلك الإبادة جزءاً من سياسة دولة على مدى بعيد سبقتها مجازر مخططة مركزياً، حصدت أكثر من 200000 أرمني بين عامي 1894_1896 على يد فرق عبد الحميد الثاني.

لقد كان من الصعب جداً أن نتصور مدى تأثير مثل ذلك القرار، فالأرمن لم يكونوا متوحشين كالهنود الحمر الذين انكفؤا أمام زحف الإنسان الأبيض عبر القارة الأميركية، وإنما كانوا أناساً يعيشون حياة شبيهة بالحياة العصرية، لقد تمركزوا طوال أجيال في المدن، واعتبروا السبب الرئيسي في ازدهارها، لقد برز منهم الأطباء، والمحامون، والمعلمون، ورجال الأعمال، وحريفيون، وأصحاب متاجر أما نساؤهم فكن يضاهين نساء أوروبا والولايات المتحدة رقة ورهافة حس، وقلة اعتياد على المشقة والقسوة.

دروب الموت والبحث عن ملجأ

بمجرد ذكرنا لكلمة لاجئ تحضر إلى مخيلتنا قسوة وصلابة صور من المعاناة والمآسي التي تعرض لها الشعب الأرمني.

لقد كان أمام للأرمن وسيلة وحيدة للنجاة، هي الإرتداد عن الدين، ولكنهم لم يظهروا حماساً في المساومة عليه، فلقد مضت جموع من النساء الأرمنيات في طريقهن إلى المنفى، فبعضهن جرى بيعهن وسط الخزي والعار قبل الرحلة، وبعضهن كن يحملن بيت أيدهن أطفالاً صغاراً، أو كن في فترة الحمل الأخيرة، وقد أكرهن على السير تحت وطأة السوط كقطيع من الماشية، ومنهن من توفين على الطريق، وأخريات رمين أطفالهن على قارعته، وكثيرات ممن حملن السمّ في جيوبهن لاستعماله عند الضرورة.

وفي قرية صغيرة اقتصرت المأساة بكاملها على مشهد واحد.

(45 رجلاً وإمرأة اقتيدوا إلى واد على مسافة قريبة من القرية. في بادئ الأمر اغتصب ضباط الدرك النساء، ثمّ سلموهن إلى الدرك ليتصرفوا بهن على هواهم. أما الرجال فقد قُتلوا جميعاً، ولم ينج أحد من هذه الجماعة المؤلفة من 45 شخصاً) لقد كان القتل أرحم طريق وأسرعها إلى الموت بالنسبة للأرمن، لأن أغلبية من بقى على قيد الحياة آنذاك لاقى الويلات والمآسي حتى وصل إلى الموت، أو وصل الموت إليه، فذاكرة التاريخ ما زلت محتفظة بصور مروعة لجماعات أرمنية وقد أكلها الجوع فكانت جثثاً فوق بعضها البعض عارية إلا من الظلم والوحشية، في مقابر جماعية حُفرت لتضم بقاياهم، وتبتلع معاناتهم.

العنف يخط بمخالبه سطر التاريخ

(إن الحرب هي ازميل سيئ لنحت الغد) هذا ماقاله مارتن لوثر، لكن أيّ غد هذا وتاريخ البشرية كله ضحايا ومضمخ بدماء البشر، فمنذ قايين وهابيل والقتل هو المنطق المسيطر على عقول البشر لإلغاء الأخر وعدم الإعتراف به. وفي صدد حديثنا عن مأساتي الشعبين الفلسطيني والأرمني، نستنتج من المأساة الفلسطينية أنها محو وإلغاء تاريخ شعب ووطن، وطمس هوية إنسان فلسطيني، وقد يمتد هذا الطمس والإلغاء إلى باقي الدول العربية، لذلك هي معاناة للعرب أجمعين وبخاصة الشعب الفلسطيني لاقتلاعه من جذوره المتوغلة في الأرض، هي الرمي بالفلسطيني خارج منزله/أرضه والحلول مكانه. وبهذا يبقى الفلسطينيون دون دولة يلتجؤون إليها، كما أنهم عانوا الأمرين، وتجرعوا كؤوس العلقم حتى في شتاتهم ، فهم لم يحصلوا على جنسية البلدان العربية التي التجؤوا إليها، وذلك على العكس تماماً من الشعب الأرمني الذي مُنح جنسيات البلاد المحتضنة لهم، كما وأصبح لهم مشاركات في سياسات الدول التي احتضنت هجرتهم.

وعلى الرغم من مضي مئة عاماً على الإبادة الجماعية للأرمن، إلا أن مرتكبي المجازر بحقهم لم يعترفوا إلى الآن بجرائمهم، لكن الأمم المتحدة وضعت مشروع اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.

لذلك على الجناة أن يعترفوا بما اقترفت أيديهم من جرائم شنيعة، وذلك ليس لإثارة الأحقاد أو إشعال الفتن وعودة الحروب، إنما فقط للإعتراف بخرق للضمير الإنساني بحق شعب مسالم آمن عرف أبشع أنواع الاضطهاد.

وأخيراً وليس آخراً:

إن الكرة الأرضية التي ابتلعت الكثير الذي لا يحصى من أجساد البشر موتاً بالحروب والقتل والتدمير، وشربت الكثير من دماء الإنسان، قد أُتخمت حتى تكاد تتقيأنا، لأن الإنسان وعلى مر العصور أثبت انقراضه بعدم إنسانيته ووحشيته اللامحدودة، هذا لا يعني أننا ننكر على الإنسانية تطورها بالعلوم وتفوقها بالتكنولوجيا، وتقدمها على صعيد تطوير الطاقات، لكن مهما تعددت أساليب وأشكال العنف فإنّ له وجه ثابت على الدوام لا يتغير.

ولأن السلام على كوكبنا هو حضارة الإنسان وثقافته، وهو الصناعة الأكثر تطوراً للبشرية جمعاء، فإن سمو منطق السلام عن منطق العنف هو الأجدى، وهو الإنسانية بحد ذاتها.

فمتى يتحقق هذا السلام؟ ومتى سيستفيق ضمير الإنسانية من سباته العميق؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق