المحلية

لا تنتشلوها.. النفايات لنا.. الصفقات لكم!

ساعة الصفر تبدأ مساء اليوم، وإن صدق المعنيون ستمحى “معالم” و”جبال” النفايات نهائياً، ونسترجع شوارعنا النظيفة خلال أيام معدودة. سنودع مكباتنا العشوائية التي انبعثت منها جميع أنواع الفيروسات والأوبئة والروائح الكريهة، التي تتناوب يومياً على قتلنا فرداً فرداً، ونستقبل جولات إضافية من النصب العلني. وحدها النفايات لامست الأزمة عن قرب، شعرت بيأس متجذر وتراكم فساد متأصل، وقفت على الحياد، لتعلن أخيراً الإستسلام والنصر في آن.

لا تنتشلوها.. إنها مثال عن رائحة العفن السياسي، ومعلم من معالم الصفقات التي تُحبكُ بسرية في دهاليز المجالس، هي الشاهد الوحيد على أكاذيبكم في مرافعاتكم اليومية منذ ما قبل الأزمة وخلالها وبعدها، هي من أحرجتكم دولياً، ووضع سمعة لبنان، بفضلكم، على المحك فكان القرار سريعاً بحلّها. مفتاح الحل الذي حيّر المسؤولين كان عبر فضيحة عالمية لتسريع الصفقة بعد 8 أشهر من المشاكسات والعناد والتدوير لفرز الأرباح وطمر ورقة الإتفاق، ومحارق البيئة والصحة العامة.

لا تنتشلوها، فلتبق أمام أعينكم ولتشموا رائحتها شمالاً وبقاعاً وجنوباً وشرقاً. معيب أن تنتهي الأزمة دون أي عقاب أو مواجهة مع خاطفي أموال الشعب وصحته وبيئته، وهم معروفون بالإسم بحصانة تعفيهم من المساءلة الشعبية والقانونية. المفارقة الكبرى أن الحملات المعارضة والمطالبة بحل بيئي مستدام، صمتت فجأة أو أغلقت أفواهها بسحر ساحر. ستُنسى الأزمة وكأن شيئاً لم يكن.

إما أن توافقوا على الخطة أو تفوح رائحتكم، لا خيار أمامكم إلا الرضوخ. هذا ما سعى اليه المسؤولين عن حل الملف عن قصد، فبعد أن وصلت الأزمة إلى أوجها واحتلت القمامة بيوتنا وشوارعنا، سُدت الخياراتت أمام الجميع، فلا كمامة ولا أدوية ولا لقاحات تنقذنا.. الهواء أصبح “ساماً”.

في هذه المناسبة، نستذكر خيار “الثورة” وهنا ترتفع الضحكات والنكات على كلمة ثورة. قد يلوم البعض الشعب لعدم مساندته والنزول إلى التظاهرات، لكن ألم يحتشد الجميع في تلك اللحظة التاريخية ليسقط الحراك في اليوم التالي بعد أن نعت المساندين بعبارات طائفية مسيئة. ولان من دون حشد لا كلمة تسمع ولا صوت يعلو، انتهى الحراك وقتها دون اعتراف الجميع. كانت تلك الضربة الاولى، أما الثانية والأخيرة، فحين دقت ساعة المعركة الحقيقية وكانت الحماسة فائضة ليتخلوا عن الشارع فجأة ويختفي كل من حضر!!. هذا عدا تحول الحراك الى ما يشبه الأحزاب، انقسامات وتفكك وأسماء وتوجهات وحراكات وقيادات، الكل يذكر كيف ظهرت حينها شخصيات سياسية سابقة بمظهر “المُخلص” للظهور على ظهر الحراك والتذاكي على السياسيين، فأضاعوا جميعهم البوصلة. ضجيج وفوضى قد يكون وراءها مكسب ذاتي للمنتفعين من المراوغة في حلّ القضية، لكن لماذا ننجر إلى الوقوع في الفخ بسهولة؟

بدأت الأزمة في17 أيار 2015 وانتهت في 17 آذار (بحسب ما أعلن مجلس الوزراء أمس). الخطة تقضي بوضع النفايات في مكبَّي “كوستابرافا” و”برج حمود” تزامناً مع إعادة فتح مكب الناعمة. إذاً، إنتهت الأزمة حيث بدأت. لا تغيير لا تطوير لا فرز.. فلماذا اذا أضعنا أشهراً في العفن والرائحة النتنة؟ وهل أصبحت صحة المواطنين ورقة رخيصة مقابل زرع حقول الفساد وحلقات التسويات وحصاد أموال بصفقات من هنا ورهانات من هناك؟

فاطمة حيدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق