المحلية

مدنيّة بري أم باسيل ؟

كتبت رشا الاطرش : لعل من طرائف السياسة اللبنانية، وأسمج سماجاتها في الوقت نفسه، تلك “الشيفرة” المُمَرّرة في السجال العام… ومفاتيحها في متناول الجميع. فيُطلَق مصطلحٌ ما، مُستبطِناً معنىً مختلفاً تماماً عما يفترض أنه يشير إليه، بل وغالباً ما يحمل في بطنه التهديد والوعيد المكتوم. والكل يفهم، يتواطأ على الفهم الجواني، والكل يناور بالكودات ذاتها، واللعبة مستمرة نظيفةً في ظاهرها، لا بل متوهجة بالمقاصد السامية. 
فمعلوم أن تجديد رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، قوله إن “الحل الوحيد حاضراً ومستقبلاً، هو قيام الدولة المدنية”، وتذكيره خلال “لقاء الأربعاء” النيابي بأنه كان قد طرح هذا الحل على طاولة الحوار قبل سنوات، يندرج في التجاذبات المستمرة منذ أشهر لتشكيل الحكومة المستعصية. وخصوصاً في وجه الوزير جبران باسيل، الذي لا يكلّ من خلط أوراق التشكيل العتيد كلما استشعر عوائق أمام استحواذه – وفريقه السياسي والعهد الرئاسي أيضاً – على الثلث المعطّل، أو ما يوازيه من صلاحياتٍ تُسمّى تشفيراً أيضاً: “ضمانات”. وللمفارقة، فإن باسيل كان قد رمى الفتيل ذاته، قبل سنة بالتمام والكمال، عندما قال خلال مؤتمر صحافي أن “لا شيء يحقق الاستقرار غير الدولة المدنية”، داعياً إلى إلغاء المذهبية السياسية، كرَدٍّ على برّي الذي أصرّ آنذاك على الاحتفاظ بوزارة المالية للطائفة الشيعية.

حتى المجتمع المدني اللبناني، بحراكاته المتوالية في قضايا مختلفة، عندما يرفع مطلب الدولة المدنية اللبنانية، يعلم جيداً أنه ينادي برابعِ الغول والعنقاء والخلّ الوفي. ومع ذلك، يستبقي الشِّعار في خطابه كثابت رمزي لنهاية مطاف لن تُدرَك. زينة ضرورية، على سبيل الأمل في أسوأ الأحوال، وكمُنطلَق للتسويات في أفضلها.. وهذا بعد التسليم جدلاً بمجتمع الناشطين والنقابيين والحزبيين الجدد و”الشباب”، الذي يقدّم نفسه بديلاً ديموقراطياً من النخبة الحاكمة، كي لا نغوص في المعروف عن المتغلغل المصلحي والمذهبي في الجسم المدني هذا.

الكل يعلم، سياسيين ومواطنين، معنى الدولة المدنية حين طرحها باسيل، وحين يطرحها بري، وقبلهما عشرات من داخل النظام اللبناني وخارجه، إن كان له خارج. زعماء الطوائف الذين كرّسهم اتفاق الطائف حُكماً ودولة، يقولون: هذه بغيتنا النهائية، يوماً ما، حين تكونون مستعدين، سنلغي الطائفية السياسية، وفي الأثناء، تعالوا نلهو… بقانون الانتخابات (النسبي المشوّه، وصوته التفضيلي الناسف، والأرثوذكسي، وما بينهما)، بالتوزير، بتعديل الدستور للمثالثة أو حتى اللاشيء الذي هو كل شيء للأكثريات العددية، بالوظائف فقط من دون تعديل الدستور لنُبقي على المناصفة بين مسلمين ومسيحيين.

أما خطاب استرداد حقوق المسيحيين منذ ما قبل الحرب الأهلية، أو خطاب أهل السنّة في خطر ومعهم “الطائف” الذي رفع عن المسلمين مظلومية ما قبل الحرب الأهلية، أو خطاب السلاح والشرف والحرب المحتكَر شيعياً – في قلب الدولة وفي برانياتها سواء بسواء – لمواجهة مؤامرة أبدية لا تفنى ولا تزول.. فهذه عدّة الشغل، نعرفها وتعرفونها، ومازلنا نجدد دماءها لأنكم مازلتم تنتعشون بأدرينالينها. لكن طموحنا وطموحكم دوماً، الدولة المدنية (وهنا تُرى الغمزة وتُرفع في الملعب بطاقة صفراء).

اللبنانيون يريدون الدولة المدنية، من دون إقرار الحق في عقد زواج مدني لبناني، وفي قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية. دولة مدنية لا تسحب البساط من تحت أقدام الطوائف، لا في قانون العنف الأسري، ولا في الاغتصاب الزوجي، ولا في قوانين حضانة الأولاد، ولا في حق المرأة اللبنانية في إعطاء جنسيتها لأولادها. دولة مدنية تزوّق انتخاباتها باللوائح المقفلة على ما يسمى بالبرامج، ولا تتوقف شخبطتها على الخريطة حتى تجعل الدائرة الانتخابية أصغر من قبيلة. دولة مدنية تمجّد العسكر، وتنتشي بالمرقّط، وتعتبر الجيش آخِر مؤسسات الانصهار الوطني. دولة مدنية لا تستطيع التصدي لمليشيات الداخل اللبناني، بل تصفق لعروض عسكرية في ذكرى عاشوراء، وتتبنى الإرهاب كيفما فصَّلته فئة على مقاس أخرى. دولة مدنية ما زالت تعتمد، لأمنها وأمانها، على التوافقات الطائفية، وكل طائفة لا تثق إلا في الجهاز الأمني الذي يمثلها.

دولة مدنية تسبح في الكذبة المعلنة. تتمدد وتسترخي. تُهَزّ الرؤوس استحساناً لها، هي الحلّ المُشرِّف. وخلف الأسنان المصطكة بالابتسامات، معرفةُ استحالتها الموضوعية طالما أن الخوف قوت الجماعات. الخوف من الزوال، بل الخوف من نفوذ أقل، سُلطة أقل، ثروة، مَونة، ضَعف في الإرادة المضادة للآخَر، والكل في النهاية آخَر، ولو كان حليفاً. ومع ذلك، كل الآخرين معنا في حُلُم الدولة المدنية، حيث نرى – خيراً اللهم اجعله خيراً – صفّارة زاعقة إيذاناً بوقت مستقطع لإعادة رسم الخطط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق