المحلية

من سيحارب داعش – سمير الفزاع

images (41)

خلال لقاء له مع وزير الخارجية البريطاني “بيفن” في العام 1946، يروي الزعيم الصهيوني “ناحوم جولدمن” في كتابه “المأزق اليهودي” بأنه تفاجأ عندما سأله بيفن: ماذا تريدون من فلسطين بالضبط؟ فردّ جولدن: فلسطين نفسها. قال بيفن: هل أفهم أنكم تريدون كامل فلسطين؟ هزّ جولدمن رأسه بالإيجاب. قال بيفن: هل تريد من الحكومة البريطانية أن تتنازل عن أهم منطقة استراتيجية في العالم لدولة يهودية في فلسطين؟ أجابه جولدمن: ولما لا. فأجابه بيفن مبتسماً: لكنّ العهد القديم لا يقول ذلك، لقد قرأت التوراة ولم أجد ما يشير إلى حق اليهود في امتلاك كامل فلسطين. ردّ جولدمن: وأنا أيضاً قرأت التوراة ولم أجد فيها ما يدل على أن الحكومة البريطانية لها الحق في امتلاك فلسطين. أبلغ وصف لما جرى بين بيفن وجولدمن جاء على لسان مدير مكتب بيفن نفسه، عندما قال: إننا نستطيع أن نفتح البوابات أمام الطوفان، لكن تجيء لحظة ندرك فيها أن فتح البوابات شيء والتحكم بتدفق الماء شيء آخر.
إن بريطانيا التي بدأت مشروع دولة يهودية في فلسطين ما لبثت أن فقدت السيطرة على المشروع. في تلك اللحظة من التاريخ، كانت بريطانيا “تخلي” مواقعها مجبرة لصالح الولايات المتحدة بعد استقرت موازين قوى جديدة، ورسمت خرائط العالم القديم مرة أخرى، بالمال والجنود والنار على “مقاس” المنتصرين في الحرب العالمية وتوزّع مصالحهم، وبات مشروع “الدولة اليهودية” جزء من تركة لندن التي استولت عليها واشنطن، القطب العالمي الجديد.
في العام 1975 عندما غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان “هلل” بريجينسكي قائلاً ” لقد سقط السوفييت في فيتنامهم “. ولم يخرج السوفييت من هناك إلا وقد بلغ الإرهاق “قلب” الاتحاد السوفيتي، ولم يلبث أن انهار وتوقف قلبه عن العمل بعد هذا الانسحاب بسنوات قليلة. فترة وجيزة، ويصبح سلاح واشنطن الأمضى لمحاربة موسكو في أفغانستان -القاعدة – عدوها الجديد.
وقفت “هيلاري كلينتون” قبل عدة أعوام أمام لجنة في الكونغرس لتقول: “إن اللذين نقاتلهم اليوم، نحن أوجدناهم منذ عشرين عام خلت، وأوجدناهم لأننا كنا نخوض صراعاً ضد الاتحاد السوفيتي الذي غزا أفغانستان، ولكننا ما عدنا نريد أن نراهم يسيطرون على أواسط آسيا … لقد نجحنا في إخراج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان، لكننا تركنا حليفنا الباكستاني وحيداً، وطلبنا منه التعامل مع صواريخ “ستنغر” والأفكار والمعتقدات الجهادية …”.
إنها جدلية التاريخ، وتطور طبائع الأشياء، وتناقض المصالح وتبدلها … وسيكون مشروعاً السؤال إن كان حال تركيا مع داعش عندما تحين لحظة الحرب عليها، سيكون شبيهاً بحال باكستان مع القاعدة وطالبان؟ وعادت هيلاري لتقول في مذكراتها “الخيارات الصعبة”: أسست الإدارة الأمريكية داعش بهدف تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير وتقسيم المنطقة على أساس مذهبي وعرقي … وكان المخطط يرمي إلى اعتراف 112 دولة حول العالم “بالدولة الإسلامية” لحظة الإعلان عنها. وهو ما أكده العميل عميل CIA الفار إلى موسكو “سنودن”، بأن هناك تعاون استخباراتي أمريكي بريطاني صهيوني لتأسيس دولة الخلافة لحماية أمن الكيان الصهيوني بإدخال المنطقة المحيطة بكيان العدو في حروب لا تنتهي.

* هل ستحارب أمريكا داعش ؟

من المؤكد بأن داعش حققت أهدافاً – كما حققت القاعدة من قبل – سعت واشنطن بكل قوتها لتحقيقها، كنشر الفكر المذهبي والطائف، وتعميم الفوضى والتطرف، وخلق جيب جغرافي يمنع تواصل حلف المقاومة البري، وتوفير “البيئة اللازمة” لإقامة “دولة كردية” … لكن واشنطن وصلت – أو تكاد -إلى النقطة التي بدأت تفقد السيطرة فيها على داعش. سأدلل على ذلك ببعض النقاط :

1-يمتاز البناء البشري لداعش بالتنوع الشديد جداً، إنهم خليط من القوقاز ومن أواسط آسيا وشمال أفريقيا وجزيرة العرب وأوروبا … ومن أمريكا ذاتها. وهذا التنوع الكبير يعني تداخل الأفكار وتنوعها، وتعدد الاتجاهات وتضاربها … بسبب اختلاف البيئات التي جاء منها المقاتلون. ما يريده القوقازي لن يطابق ما يريده الحجازي، وما يسعى إليه العراقي غير الذي يسعى إليه الأفغاني، وما يفكر فيه البريطاني لن يتطابق مع ما يفكر فيه اليمني … وهذا يؤسس إلى ظهور سياسات وتوجهات قتالية متعددة ومتناقضة أحياناً، قد تكون محاربة الغرب وضرب مصالحه – أمريكا الأكثر ترشيحاً هنا – احتمالاً واقعيّاً جداً. وأما الأكثر خطورة، فهو احتمال تشظي داعش وتفتتها، إلى عدة تنظيمات متضاربة الأهداف والمصالح، ومتصارعة مع بعضها، ومع بعض دول الإقليم والعالم، أي تكرر النموذج الباكستاني والأمريكي مع القاعدة وطالبان.

2 -البناء الفكري لداعش يمتاز بخاصيتين – على الأقل – ستكونان حاسمتين لدفع واشنطن لمحاربة داعش، التوسع والتطهير. أقصد بالتوسع، أن لداعش خريطة تسعى للسيطرة عليها، وتمتاز هذه الخريطة “بالتمدد” المستمر في ذات الوقت. والتطهير، أن هذه الخريطة يجب أن تمتاز “بالنقاء والصفاء” البشري والديني والفكري والسياسي، ولن تمتلك داعش حلّ لهاتين المعضلتين، ففي اللحظة التي تتوقف فيها عن التوسع والتطهير ستدخل في طور التآكل والانهيار. وهذا يعني فيما يعنيه، أن الصدام حتميّ مع واشنطن وحلفائها ومصالحها، وسيكون عليها محاربتها اليوم قبل أن تصبح المهمة شبه مستحيلة كما حصل مع “بيفن” من قبل.
3-في مقاله الأخير “الخط الأحمر وخطة النجاة” تحدث الكاتب المهم “سيمور هرش” مفصلاً، وبالمعلومات، عن المحاولات التركية التي قادها أردوغان ووزير خارجيته ومدير مخابراته … لتوريط أوباما ومن ورائه واشنطن، في حرب مباشرة وواسعة على سورية. في لحظة تتضارب فيها المصالح بشدة، ويعمّ الإحساس بالخطر الوجودي إذا ما انسحبت واشنطن من المنطقة أو توصلت إلى “تسوية” ما مع أعدائها في الإقليم والعالم، ومع وجود بناء بشري ممتد جغرافيّاً، ومتنوع بشريّاً، وظهور شواهد متعددة على اختراقه أمنيّاً من قبل عدة أطراف إقليمية ودولية، وتنامي حاجته لعدد من الدول لتأمين مصادر دخله وتدفق إرهابييه والأسلحة والمعدات والذخائر … يصبح الحديث عن توريط واشنطن في حرب لا تريدها، ولا تقدر على خوضها، احتمال مؤكد، ما يستوجب محاربة داعش، وبقوة. وقد ظهرت عدة تسريبات مؤخراً، أن داعش باتت تتحول تدريجيّاً إلى “فخ” ينصبه أعداء داعش وواشنطن، لجعل محاربة داعش فيتنام واشنطن الجديدة
3-أعلن الجيش العربي السوري، منذ أيام عن مقتل المدعو أبو محمد الأمريكي في غارة جوية استهدفت مقراً لتنظيم داعش في الرقة. كانت الصدمة الأمريكية كبيرة عندما تبين أن القتيل كان يعمل في شركة تابعة للخطوط الجوية الأمريكية “دلتا”، قبيل انضمامه للتنظيم، وكان قادر على الدخول إلى المطار والطائرات بسهولة، ما أعاد إلى الأذهان سيناريو كارثة 11 /9 وسهولة تكرارها.
للأمانة ، هناك خطر كبير يتهدد العالم أجمع يمكن دعوته بـ”أممية الجهاد” . يتجسد الخطر الكامن بالبيئات الحاضنة والمولدة لهؤلاء المجرمين، والتي “فرخت” هذا العدد الكبير من “المجاهدين” وأرسلتهم إلينا، البيئات ذاتها، ستكون قادرة على “تفريخ” أضعافهم عندما تحين لحظة الاصطدام مع هذه الحكومات الغربية. لنتذكر اضطرابات ضواحي باريس الفقيرة قبل أعوام، أو بلدة فرغسن في ولاية ميزوري الأمريكية قبل أيام، أو مظاهرات لندن التي استدعي “للسيطرة” عليها 15 ألف جندي بريطاني فقط! ولنتخيل أن هذه الاحتجاجات اندلعت من جديد، ولكن مع “معتقدات وأفكار داعشية” فأي مشهد كنا سنرى؟
5-حتى اللحظة تحاول واشنطن تحقيق مصالحها باستخدام داعش مرتين، مرة بابتزاز الأطراف الإقليمية والدولية – ومن ضمنهم حلفائها – عبر التلويح بخطر داعش، وتبتزهم مرة ثانية حتى تشارك في محاربتها.

* هرطقات واشنطن والردّ السوري

قال أوباما في مؤتمر صحافي عقده في ختام قمة للناتو “إن الأمر لن يحصل بين عشية وضحاها، إلا أننا نتقدم في الاتجاه الصحيح. سنضعف تنظيم الدولة الإسلامية وفي النهاية سنهزمه”. وأضاف “سنطاردهم كما نفعل تماماً مع فلول القاعدة” موضحاً أنه “يمكننا تفكيك هذه القوة التي سيطرت على أراضي واسعة حتى لا يستطيعون الوصول إلينا”. وحول الوضع الميداني في سوريا، قال أوباما “لن نرسل جنود أمريكيين من أجل السيطرة على مناطق النزاع في سوريا، ولكننا ندعم شركاء فاعلين على الأرض لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية هناك”. بانتظار إعلانه عن استراتيجيته لمحاربة داعش يوم الأربعاء القادم 10/9/، لن أعلق على ما قاله أوباما، وردده خلفه كيري بشيء من التفصيل، بأكثر من عنصرين.
الأول: ما قاله مساعد أوباما الخاص السابق، دنيس روس: “حتى الآن، لا نملك استراتيجية للتصدي لتنظيم داعش”. بهذه الكلمات لخص الرئيس أوباما على ما يبدو كل الذي كان يزعمه منتقدوه منذ أشهر وهو: أنه يرتجل ويتوقف ويتروى عموماً في التصرف إزاء صعود جماعة “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو “داعش” … وبالتأكيد، استغل معارضو الرئيس الأمريكي هذه الكلمات التي أساء اختيارها … من السهل التركيز على تعليق الرئيس أوباما والتغاضي عن المشكلة الفعلية، ألا وهي: ما هي الاستراتيجية السليمة للتصدي لـ “داعش”؟ لدى الرئيس مقاربة لمكافحة “الدولة الإسلامية” في العراق ولكنه يدرك أنه لن ينجح في هزيمة هذا التنظيم دون التعامل معه في سوريا أيضاً. فوجود ملاذ آمن لـ “داعش” في سوريا، حيث يكون التنظيم قادراً على التخطيط وتجنيد العناصر وإعادة تسليحها واستعادة قوتها لكي تتمكن من العودة إلى ساحة المعركة، يفسح المجال أمام التورط في حرب طويلة في العراق وقيام تهديدات متزايدة في المنطقة وللوطن الأمريكي أيضاً”.
الثاني إعلان البنتاغون قبل أيام، عن أسباب مقتل 5 جنود أمريكيين في حزيران الماضي، وهو نتيجة توجيه “ضربة أخوية ” لهم وصفها محققون عسكريون بتقرير بأنها نتيجة أخطاء في الاتصال بين القوات على الأرض والطائرة في أفغانستان. كان الردّ السوري، مكثفاً، عمليّاً، واضحاً وعلنيّاً:

1-السيد ووزير الخارجية وليد المعلم يعلن أن سورية مستعدة لأي تعاون مع أي دولة في الحرب على الإرهاب، وسيادتنا خط أحمر، وسندافع عنها
2-هناك حلف يدعم سورية ويحافظ على تنسيق دائم ومستمر معها، ويضم إيران وروسيا وغيرهم من الأصدقاء، ونبّه المعلم بأن آخر اتصال مع وزير الخارجية الروسي لافروف كان قبل ساعتين من إعلان موقف دمشق الأخير
3-داعش التي أردتموها مشكلة سورية – عراقية خالصة، “جعلنا” منها مشكلة إقليمية ودولية، أنتم مضطرون على التعامل معها، ولن تنجحوا في “ذبح” صنيعتكم إلا بمساعدتنا
4-فيما أنتم “غارقون” بـ كيف، ومتى، وبمساعدة من ستحاربون داعش، سنتفرغ نحن “لسحق” بقية أدواتكم في غوطة دمشق والقلمون وأرياف حمص وحماه وحلب.
5-إذا ما قررتم “تجزأة” محاربة داعش سيكون بمقدورنا دعوة الشريك الروسي لمساعدتنا، خصوصاً وأن طائراته منتشرة من اللاذقية إلى بغداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق