المحلية

من علي مملوك الى وليد المعلم.. بوتين هو من يرسم المسار

لم تكن تصريحات الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” خلال مؤتمره الموسع في موسكو في 17 كانون الاول من العام الماضي، التي أعلن فيها “تأييد موسكو مبادرة واشنطن الى مشروع قرار دولي بخصوص سوريا وانها تتفق مع أهم نقاطها”، ولم يستبعد ان “بعض تلك النقاط لن تعجب الحكومة السورية”، لم تكن مجرد تصريحات قالها القيصر الروسي و”مشى”، فما تشهده الساحة السورية اليوم من خضة دبلوماسية وعسكرية لناحية الدخول الروسي الذي لم يدم اكثر من ستة اشهر ومن ثم الانسحاب الجزئي، خير دليل على ان هذا السلوك لم يكن سوى ترجمة للخارطة الروسية التي رسمتها للحل في سوريا والتي عبر عنها الرئيس بوتين في المؤتمر عينه بقوله: “عندما سنرى انطلاق عملية سياسية وستقول السلطات السورية انه حان الوقت لوقف اطلاق النار والشروع في التفاوض عندها لن نخطط لأن نكون سوريين أكثر من السوريين أنفسهم بدءا من هذه اللحظة”.

اذا لم تكن خطوة الانسحاب هذه بالمفاجئة وانما بالخطوة المدروسة، والتي تأخذ طابعاً تكتيكياً وليس استراتيجياً، وهو نجد علاماته في سورية منذ القدم عبر الوجود العسكري الروسي الذي يشمل العشرات من جنود البحرية في قاعدة طرطوس بالاضافة الى مستشارين ومدربين تترواح اعدادهم بين 500 الى 1000 مدرب ومستشارعسكري يتواجدون في مواقع بحثية وقطع عسكرية ومنشآت تصنيع عسكري، هذا عدا عن “امتلاك روسيا صواريخ “كاليبر” البحرية والتي يبلغ مداها 1.5 الف كيلومتر وصورايخ “101-X” التي تحملها الطائرات ويبلغ مداها 4.5 كيلومتر الامر، الذي ينفي معه حاجة روسيا في الاصل الى قاعدة في سوريا اذا ما قررت ان تصل الى أحد ما” على حد تعبير الرئيس بوتين في تصريح سابق.

أمام ما تقدم يبدو أن بوصلة الحل في سوريا بدأت تتكشف معالمها، وهي تسير اليوم بوتيرة أسرع، وبدهاء روسي منقطع النظير، تمكن من خلاله استدراج الحلفاء قبل الخصوم الى المستنقع الذي أصبح من الثابت لديه وللقوى الكبرى التي تغطي خطواته، أنه لا يمكن لهم ولوج اي حل دون السقوط في وحوله، في محاولة للضغط عليهم والدفع بهم لطلب مد يد العون، مقابل تقديمهم تنازلات، لا خطوط حمر فيها على نقاط الخلاف الرئيسية الشائكة وعلى رأسها مصير رأس النظام السوري “بشار الاسد”، مما ينسجم وتوقعات الرئيس بوتين السابقة، باستبعاده إعجاب الحكومة السورية بنقاط الحل المطروحة، والمؤشرات على ذلك نلخصها بالتالي:

-ما كاد وزير الخارجية السوري “وليد المعلم” يمسح عرق خطابه المتحمس للخط الاحمر الذي زنّر به الرئيس بشار الاسد، حتى أتاه “الدب الروسي” مباغتاً بضربة قاضية عبر إعلانه الانسحاب من سوريا، نازعاَ عنه كل الخطوط بحمرها وصفرها، معيداً إياه الى حلبة الصراع مجدداً بقلقها وهواجسها، وما ذلك سوى انذار واضح بان “يللي بيطلع أحد على المئذنة يستطيع انزاله عنها ساعة يشاء” وبالتالي حذار الخروج عن التعليمات والخطوط الروسية المرسومة.

-توصل روسيا الى تحقيق “المعادلة” التي رسمتها بدخولها العسكري في الميدان السوري وخروجها السريع، والذي يبدو انه لا يرتبط بمكافحة الارهاب بشكل مباشر، والدليل على ذلك استمرار مساحة جغرافية لابأس بها من الاراضي السورية رهينة سيطرة داعش وأخواتها، مما يعزز فرضية سعي روسيا لفصل مسار القضاء على الارهاب ،عن لب الصراع السوري الدائر بين النظام والمعارضة، وبالتالي سعيها لاعادة صهر الصراع من جديد وازالة كل الشوائب التي دخلت ساحته وفي مقدمتها ايران وحلفائها، عبر اقدامها بالدخول العسكري المفاجىء ونجاحها بفترة زمنية قصيرة من تحرير400 قرية و10 آلاف كلم مربع من الارضي السورية مرسلة بذلك اشارات الى حلفائها قبل الخصوم بأن روسيا حاجة لها، ولا يمكن لاي من “الحلفاء” تحقيق اي انتصار بمعزل عن ارادتها او تدخلها، وبأنها الأحق بتولي سلطة الامر والنهي في مصيرها. استتبعت دخولها هذا بانسحاب مدروس مستهدفة من خلاله ايران أولا، مستدرجة، دافعة بها للجلوس على طاولة التفاوض “مدنية” ، حيث جاء تصريح وزير خارجيتها محمد جواد ظريف الاخير كالـ “شحمة على الفطيرة” للدب الروسي، عندما قال “لم ترَ روسيا حاجة لابقاء قواتها في سوريا في ظل الهدنة وهذا يجب ان يعتبر أمراً ايجابياً والآن علينا ان ننتظر ونرى”، مما يدفع بالمقابل للتساؤل عن مصير تواجد ايران وحلفائها في سوريا، وعن مدى الحاجة لهذا التواجد في ظل الهدنة، وفيما اذا كان يشكل تواجدهم الحالي مؤشرا سلبياً ام لا ، وهل ما انطبق على روسيا سينيطبق فيما بعد على ايران وحلفائها؟

-استطاعت روسيا بانسحابها من سورية انتزاع تأييد نظيف من المملكة العربية السعودية، عبّر عنه وزير خارجية المملكة عادل الجبير بوصفه الانسحاب بـ”الخطوة الايجابية للغاية”، مضيفا بأنه “يأمل أن يجبر هذا بشار الاسد على تقديم تنازلات”، وفي ذلك مؤشر على أمرين هامين، الاول، بعد فشل مساعي روسيا في اقناع المملكة بقبول صيغة الحل الروسية السابقة في سوريا عبر الاجتماع الذي رتبته للغاية بين المسؤول الامني السوري “علي مملوك” ووزير الدفاع السعودي “الأمير محمد بن سلمان” في جدة، في تموز من العام الماضي، وصلت الرسالة الى روسيا، وهي بالتالي لن تعيد تكرار تجربتها السابقة، وما عليها اليوم سوى استعادة ثقة المملكة عبر سحب فتيل الاصرار السعودي على “التدخل العسكري في سوريا لازاحة الاسد من السلطة في حال لم يتنح الاخير في اطار عملية سياسية”، من هنا جاء انسحابها العسكري من سوريا ليشكل افادة “حسن سلوك” لمن يهمهم الامر، لتشرع الابواب مجددا امام نسج تسوية محتملة جانبية تحمل عنوانا وحيدا وهو رأس النظام السوري برعاية روسية وببصمات سعودية واميركية. هذا فيما يتعلق بالامر الاول، اما فيما يتعلق بالامر الثاني، فيتمثل بنجاح روسيا نوعا ما في استقطاب العرب السنة تحديدا عبر تطمينهم على موقعهم في المنطقة وبان ليس هناك من بديل لهم فيها.

بكل حال، ومهما تكن النتائج المترتبة على الغنسحاب الروسي الأخير من سورية، والتي يبدو ان للحديث فيها تتمة، لاسيما مع الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الاميركي “جون كيري “موسكو” الاسبوع المقبل للمناقشة حولها، الا انه من الواضح أن أي حل سيجري التوصل اليه لأي أزمة واقعة في دولة ما او ازمة واقعة بين دول، فإن هذا الحل لن يأت على تفصيل شعوب الدول وانما حتماً لن يكون سوى على تفصيل القوى الكبرى اللاعبة على حبال نار الخلافات المشتعلة في دول المنطقة .

ميرفت ملحم ( محام بالاستئناف)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق