المحلية

هـل نحـن علـى أعتـاب حـرب لبنـان الثالثـة ؟

منذ اغتيال الشهيد سمير القنطار رحمه الله، و”إسرائيل” بكل مستوياتها الأمنية والعسكرية والسياسية والإعلامية مقتنعة بحتمية الرد، خصوصا بعد البشرى التي زفها سماحة السيد للصهاينة في إطلالته عقب الاغتيال الجبان قبل أسبوع، حيث قطع عليهم عرسهم وحوّل فرحتهم إلى قلق وخوف بقوله: “إننا سنرد، لأنه من حقنا الرد، وسنمارس هذا الحق”..

لكن ما زاد من حدة القلق والتوتر أكثر من أي وقت مضى، هي عبارة تحمل الكثير من التحدّي قالها سماحة السيد في إطلالته الأخيرة بمناسبة أسبوع الشهيد سمير القنطار، فقلبت كل حسابات “إسرائيل” رأسا على عقب، ومفادها، أن “الرد آت وحتمي، ومهما كانت التبعات”..

هذه العبارة المزلزلة قوبلت بصمت رسمي مطبق، بخلاف التصريحات التي أعقبت إطلالة سماحة السيد الأولى، ما دفع بالخبراء والمحللين إلى أن يجمعوا على أن “إسرائيل” لم تفهم أهمية سمير القنطار بالنسبة لحزب الله، وأخطأت في تقدير رد حزب الله حين ظنت أنه سيكون موضعيا ومحدودا، وأخطأت حين اعتقدت أن سماحة السيد سيتراجع أمام التهديدات المبطنة التي بعث له بها وزير الأمن الإسرائيلي ‘موشيه يعلون’ بصفة شخصية، وفق ما أشار إلى ذلك سماحته في إطلالته الأخيرة، لأن إشارة سيد المقاومة إلى حتمية الرد التي ذيلها بعبارة “مهما كانت التبعات”، كانت بحق الجواب الشافي والعملي لحجم التحدّي الذي اختار سماحته رفعه في وجه الوزير الصهيوني المغرور..

نقول التحدّي، لأن وزير الأمن الإسرائيليّ كان قد عبّر عن أمله في “أن يكون حزب الله قد تعلم الدرس من حرب لبنان الثانية”، وفهم “أنه لم يُقدّر في حينه ردّ ‘إسرائيل’ بشكل جيّد”، محمّلا إيّاه هذه المرة مسؤولية العمليات الخمسة التي قام بها سمير القنطار في الجولان ما دام حزب الله قد أعلن تبنيه للشهيد..

وبالتالي، جاء رد سماحة السيد قاطعا، حاسما، نهائيا، ليقول بالإشارة دون أن يفصح عن ذلك بصريح العبارة، إننا لا نخشى تهديداتكم، ولا نعير اهتماما لتلميحاتكم، ومستعدون لحرب لبنان الثالثة، فلا تذكّرونا بالثانية لأننا نحن من انتصرنا فيها لا أنتم..

يفهم من رسالة سماحة السيد المبطنة، أن الرد هذه المرة لن يكون تكتيكيا محدودا كما جرت العادة، وأن الحزب حضّر لعمل إستراتيجي كبير يفوق قدرة “إسرائيل” على التصعيد لأسباب موضوعية كثيرة داخلية وخارجية لا مجال للخوض فيها في هذه العجالة، لعل أهمها التكلفة الاقتصادية للحرب، بموازاة تصعيد الانتفاضة في الداخل، واحتمال انفجار الأوضاع في غزة، وانطلاق المقاومة في الجولان المحتل انتقاما للشهيد “الدرزي”، وانطلاق عملية تحرير مزارع شبعة المحتلة..

هذا رهن بتطورات الأحداث ومدى قدرة “إسرائيل” على المقامرة، علما أن حزب الله لا يرغب في حرب مفتوحة ولا يسعى إليها، لكن هدفه الأساس من الرد هذه المرة، هو وضع حد نهائي لمسلسل الاغتيالات الذي لن يتوقف إلا إذا دفع الصهاينة ثمنا كبيرا يردعهم عن هكذا مغامرات إجرامية في المستقبل، وإذا رغبوا في التصعيد فالحزب أهل له ومستعد لجميع الاحتمالات مهما كانت التبعات والتداعيات..

خصوصا وأن موقع “واللا” المقرب من الاستخبارات الصهيونية، ومن باب رفع المعنويات لدى الجمهور الإسرائيلي والحرب النفسية التي تخاض ضد حزب الله وجمهور المقاومة، أشاد عقب عملية الاغتيال القذرة، بقدرة “إسرائيل” ونجاحها غير المسبوق في الاختراق الأمني للمنظومة العسكرية والاستخبارية لحزب الله، مشيرا من باب المباهاة، أن “اغتيال الأسير المحرر سمير القنطار يأتي ضمن سلسلة اغتيالات استهدفت قادة عسكريين من حزب الله في السنوات الأخيرة”، مذكرا بعملية اغتيال رئيس الجناح العسكري للحزب الشهيد عماد مغنية عام 2008 في دمشق، وتصفية مسؤول التسليح في الحزب الشهيد حسن اللقيس عام 2014، واغتيال الشهيد جهاد مغنية ابن الشهيد عماد مغنية ورفاقه الأبرار مطلع عام 2015 في القنيطرة السورية..

*** / ***

وعليه، فحزب الله يدرك حجم التحدّي، وهو على اطلاع تام بكل ما يقال ويكتب حول الحزب في إطار الحرب النفسية الدائرة على أشدها اليوم ضد المقاومة، سواء في إسرائيل أو المنطقة، ولم يكن حديثه عن فلسطين وإعادة توجيه البوصلة إليها من باب حشو الكلام، وهذا تذكير للجميع، بأن قتال التكفيريين وإن كان في جوهره قتال لأدوات “إسرائيل”، إلا أنه لن يصرف الحزب عن عدو الأمة المركزي، وأنه آن الأوان ليفهم كل من يهمه الأمر أن حزب الله لم يتخلى عن مقاتلة “إسرائيل” من أجل فلسطين التي قال الشهيد سمير القنطار عقب تحريره من الأسر قولته الشهيرة بشأنها: “جئت من فلسطين لأعود إلى فلسطين”..

كما وأن حزب الله وكل شرفاء الأمة يعلمون علم اليقين، أن الحرب الكونية التي أريد بها تدمير سورية، كان المقصود منها بالمحصلة النهائية حزب الله الذي يشكل أكبر خطر على “إسرائيل”، لأن سورية الدولة لم تهدد الكيان الصهيوني المحتل منذ حرب أكتوبر 73، وفضلت خيار الممانعة في انتظار أن تتبدل الظروف ويكون هناك إجماع عربي على المواجهة الموحّدة، لكنها لم تتخلى أبدا عن موقفها، ولم تتنازل عن دورها، وظلت تدعم المقاومة بمعية إيران كي تظل الشعلة متقدة لا تنطفئ أبدا، ولهذا السبب قررت واشنطن إسقاط النظام في دمشق، ومنا من لا يزال يذكر تصريح أوباما الذي قال فيه، إن إسقاط النظام في دمشق الهدف منه حصار حزب الله في أفق اجتثاثه ومن ثم التوجه صوب إيران، وهو ما يخدم “إسرائيل” بالأساس..

وحيث أن الأمر كذلك، فقد يكون الحل في المنطقة بإعادة توجيه البوصلة اتجاه هذا العدو الدّموي المجرم، ولعل إشارة سماحة السيد إلى أنه لا يرجى من الأنظمة العربية خيرا، وأنها منذ حرب 67، وهي تعمل على “تكريس اليأس وليس إعادة الأمل، وعواصف الوهن والضعف والتخلي والتراجع والخذلان، كل هذا من أجل ماذا؟.. من أجل أن نيأس”، فيها ما يوشي بضرورة قلب المعادلة وإعادة الصواب إلى الرأي العام الذي تعرض لحملات مكثفة من التضليل لكي وعيه..

ولم يفته أن يذكر الشعوب العربية والإسلامية، أننا “ومنذ أكثر من 67 عاماً، لا نعرف طعم عيد ولا فرح عيد، وخصوصاً في هذه السنوات الأخيرة التي ابتُليت فيها منطقتنا وشعوبنا بحروب مدمرة تخدم هذا الكيان الذي أصاب منطقتنا وأمتنا ببلاء شديد منذ قيامه (…) وأن العدو منذ الأيام الأولى لاغتصابه لفلسطين وعلى مدى 67 عاماً، يعمل وما زال يعمل، من أجل أن يفقد الفلسطينيون وشعوب المنطقة كل أمل بزوال الاحتلال وزوال إسرائيل، الذي يسميه الإسرائيلي ‘كيّ الوعي’، العمل على وعينا، على وعينا وعلى لا وعينا ، على إرادتنا وعلى فكرنا وعلى عقلنا وعواطفنا وأحاسيسنا وعزمنا وإرادتنا، هذه الحرب النفسية، الحرب الثقافية النفسية الفكرية، سمّوها ما شئتم، لأن من يفقد الأمل، انتهى كل شيء عنده”.

هذا التذكير جاء في الوقت المناسب، لأنه يذكرنا بالمقدمات التي تبرر الأهداف والغايات المرجوة من وراء الحروب المستعرة اليوم ضد الأمة، ومفاده، أن جريمة حزب الله كما نذكر جميعا، تكمن في أنه أسقط جدارا عاليا من الأسمنت المسلح الذي أقامته الدعاية الصهيونية والعربية حول عدم جدوى مواجهة “إسرائيل” لأنها قوة لا تقهر وقدر لا يصرف، وانتصار حزب الله التاريخي في حرب تموز 2006 حطم هذا الجدار النفسي وغير هذا القدر المقدور عليه بعون الله ونصره، فاكتشف العرب أن إسرائيل ليست تلك الفزاعة التي يخيفوننا بها، وأنها أهون من بيت العنكبوت، فشاع الأمل في قلوب الناس طاردا عقودا من الإحساس بالعجز واليأس، وفوجئ العالم برايات حزب الله وصور سيد المقاومة ترفع في كل الشوارع العربية من الماء إلى الماء بل وفي عقر دار أوروبا..

من هنا كان القرار بتشويه سمعة حزب الله وسماحة السيد في الإعلام، ومن المدخل الطائفي البغيض أيضا، وأنفقت مليارات الدولارات على ذلك، ونجحوا في إحداث شرخ عميق على مستوى الوعي باتهام حزب الله بقتال “الثوار” و”السنية” في سورية، حين حولوا الإرهابيين والمرتزقة المجرمين إلى “معارضة سنية”، وبدؤوا يروجون لمقولة أن حزب الله تخلى عن قتال “إسرائيل” حليفة إيران في المنطقة.. والمصيبة، أن هناك من يصدق هذا العهر الذي لا يفتقر إلى المنطق الذي يدعمه، بل وإلى انهيار القيم والأخلاق.

*** / ***

حزب الله يدرك أن أي خطأ تقع فيه “إسرائيل” هذه المرة ولو شكل كارثة في الظاهر بالنسبة للمقاومة، فستعرف كيف تحوله إلى فرصة كما عودتنا دائما، لتعيد البوصلة نحو فلسطين، وتوحد بندقية فصائل المقاومة، وتعيد للأمة رشدها و وعيها، لتدرك أخيرا حجم المؤامرة، وزيف التضليل، وطبيعة الحرب الدائرة اليوم في المنطقة، لأن حبل الكذب قصير مهما طال، والحق لا بد منتصر حتى لو تأخر الحسم قليلا..

صحيح أن لا أحد غير الله وحزبه يعرفان كيف سيكون الرد هذه المرة؟.. وأين؟.. ومتى؟.. وما حجمه؟.. فسماحة السيد ترك الباب واسعا بحديثه عن خط الحدود اللبنانية – السورية، وعن الداخل والخارج، غير أنه بإشارته إلى الدوريات العسكرية التي لم تعد تشاهد بالعين المجردة على امتداد الحدود، ووصفهم بالجرذان التي هرعت للاختباء في جحورها، يقلل إلى حد كبير من أحتمال أن يكون الرد على شاكلة ما مضى، و”إسرائيل” تعرف ذلك..

كما وأن الصهاينة يستبعدون أن يرد حزب الله في الخارج، تجنبا لتثبيت تهمة “الإرهاب” في حقه من قبل الغرب، خصوصا وأنه لم يعد منظمة مسلحة كما كان في السابق، بل تحول إلى جيش عسكري منظم، يواجه بالأسلوب الكلاسيكي وبأسلوب حرب العصابات معا وفق ما تبين من تجربته في سورية التي أكسبته خبرة كبيرة لا يستهان بها، تحسب لها “إسرائيل” ألف حساب وحساب، وتعترف بقدرته على اختراق الجليل الأعلى بسهولة ويسر..

لا نريد الخوض في التكهنات، وإن كان الحزب سيقصف منشآت الغاز في فلسطين المحتلة ليضرب “إسرائيل” في مقتل باعتبار أن الاقتصاد هو أكثر ما يؤلم الصهاينة، خصوصا وأنه أشار في كلمته الأخيرة إلى مفردة “البحر”، ولا نعرف أيضا إن كان الحزب سيتجنب استهداف مواقع بالداخل بالصواريخ الموجهة قد تؤدي إلى سقوط مدنيين، أو إن كان سيرد من مزارع شبعة المحتلة، أو من الجولان.. هذه كلها احتمالات لا يمكن الجزم بأحدها..

نحن نثق بحزب الله، وبقرته على الرد الموجع.. وهذا يكفينا، لكننا في نفس الوقت ندرك أن حزب الله هو القوة الجبارة التي زادتها الحرب السورية حنكة وتجربة وصلابة، وأصبحت تشكل أكبر تهديد لـ”إسرائيل”، بعد أن تم تدمير سورية والعراق واليمن، وبالتالي، قد يكون الوقت قد حان لتفتح “إسرائيل” الجبهة مع لبنان وفق تقديرات خاطئة، مستغلة ظروف تفكك المنطقة وانقسام العرب وانشغال الرأي العام في الحرب الطائفية المشتعلة بين السنة والشيعة..

*** / ***

وفي الختام نقول للذين يغمزون من قناة روسيا، إن روسيا لن تستطيع الاعتراض على ما يفعله أو لا يفعله حزب الله، وهي تدين له بما حققته من مبيعات السلاح فاقت التوقعات بعد الانتصار الإلهي في حرب تموز 2006، وروسيا هي من تمد حزب الله بالسلاح لمواجهة “إسرائيل” حين تحين اللحظة المناسبة، ومواجهة حزب الله لـ”إسرائيل” يخدم الإستراتيجية الإقليمية والدولية الروسية في مواجهتها لمعسكر أمريكا وحلفها الأطلسي لما يمثله هذا الكيان المجرم من قلعة عسكرية متقدمة في المنطقة..

وإذا كانت مهمة روسيا في سورية هي محاربة الإرهاب لحماية أمنها القومي كما تقول، فـ”إسرائيل” أيضا تقول أن لديها الحق في محاربة “الإرهاب” في الجولان وفي لبنان لحماية أمنها القومي، نظرا لما للجولان المحتل من حساسية كبيرة لدى الكيان الصهيوني كما أوضح سماحته، ويرفض مجرد الحديث السياسي عن عودته للوطن الأم سورية فأحرى فتح جبهة مقاومة تقض مضاجع “إسرائيل” من منصته.

وبالتالي، فالتنسيق الذي تتحدث عنه “إسرائيل” وتحاول الإيحاء بأن عملية اغتيال الشهيد القنطار كانت بالتنسيق مع القيادة العسكرية الروسية في المنطقة، هو محض هراء وافتراء وحرب نفسية سخيفة ليس إلا.. لأن روسيا ليست حليفا استراتيجيا لإسرائيل، بل لأيران، بوتين تعاهد مع الإمام الخامنئي خلال لقائهما الأخير على الإخلاص والوفاء وعدم الغدر والطعن في الظهر، وهو رجل مبدئي لا يتغير ولا يتبدل، ومصلحته ومصلحة بلاده مع محور المقاومة..

وبالتالي، فالتنسيق الذي يتم الحديث عنه في سورية مع الكيان الصهيوني، له طابع تكتيكي بحث لا استراتيجي، يقتضي أن تحترم تل أبيب رغبة روسيا في محاربة الإرهاب في سورية، لكن في المقابل على روسيا أن تحترم رغبة “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها ضد ما تسميه “الإرهاب” في الجولان، وفي الحؤول دون وصول صواريخ وأسلحة متطورة لحزب الله من سورية.

وهذا لا يمنع روسيا من أن تمد حزب الله بالسلاح النوعي، بل يخدم مصلحتها بالأساس، في حربها بالوكالة مع أمريكا وحلفها الأطلسي، ويهمها زعزعة استقرارها وإضعافها دون أن تظهر مباشرة في الصورة.

 أحمد الشرقاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق