المحلية

هل ستقاتل السعودية داعش؟ – الشيخ عبد الرحمن الضلع

10612798_1479182412340652_7759642105113739309_n

من تشريعات الإسلام الحنيف التي جاء بها القرآن الكريم والسنة الغراء بر الوالدين لأبنائهم بحسن تربيتهم واختيار الأم الحاضنة لهم اختيارا يشرفهم والقيام بحقوقهم حتى يشتد عودهم وتعليمهم أمور دينهم وتأديبهم بما يهذب أخلاقهم ويعدهم للتعامل الحسن مع الناس ، وهكذا على الأبناء أن يبروا آباءهم ويحسنوا إليهم ويخفضوا لهم أجنحة الذل من الرحمة وأن لا يرفعوا أصواتهم في وجوههم حتى أن قول “أف” لهم يعد عقوقا، هذه الأخلاق السمحة الحميدة نادى بها دين التوحيد ودين الإسلام فمن أخذ بها أطاع الله ومن باعها فقد باع آخرته وأرضى الهوى والشيطان .

هذا ما يعرفه الصغار قبل الكبار وتمارسه أيضا مجتمعات غير مسلمة انقيادا للفطرة التي جبلت عليها النفوس السليمة إذ في الحديث “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه” .

لقد قامت يوما دولة في جزيرة العرب إثر ظهور رجل نجدي تميمي اسمه محمد ابن عبدالوهاب سماه أتباعه بالمجدد ، ففي نظرهم أنه جاء في زمان انحرف فيه الناس عن عقيدة التوحيد بعبادتهم للقبور والتقرب لها والتوسل بها …الخ ، وعلى إثر ذلك أقام شراكة مع زعيم قبلي لإظهار التوحيد -بزعمه- وتم تشريك الناس واعتبروا كفارا ضربت رقابهم وسلبت أموالهم ودمرت ديارهم فجرت أنهار الدماء ، وأخضعت قبائل الجزيرة العربية وانتزع الحرمان من أيدي الدولة العثمانية السنية الحنفية وأصدرت بحقها فتاوى التكفير واعتبر العثمانيون – الحاملون لواء الإسلام يومها -كفارا .

سارت الأمور كما يريد ابن عبدالوهاب وشريكه في الدعوة الزعيم القبلي محمد بن سعود ودانت لهما القبائل بعد عمليات الغزو المتكررة عليها والقتل الذي طال الآلاف المؤلفة من البشر وألحق الدمار بالديار وبعد عمليات اغتيال ممنهجة ضد زعماء القبائل الذين رفضوا الانصياع أو رفضوا تقبل الفكر الذي نادى به ابن عبدالوهاب في سبيل تجديده لدعوة التوحيد – بزعمه .

كثرت الأموال من السلب والغزو ومن اعتراض القوافل وبالتالي كثر الأتباع والأنصار وتم تخميس أموال (كفار) الجزيرة وتوزيعها على أولئك البدو الأتباع فكانت أسهل الطرق للحصول على المال ، وكل ذلك وأكثر مدون في كتاب المجد في تاريخ نجد مع تفاصيل تظهر غزوات ابن عبدالوهاب وأتباعه وهكذا قامت دولة السعودية .

وحقيقة الأمر تذكرت وأنا أكتب هذه الأسطر كيف قامت دول معاصرة كالولايات المتحدة الأمريكية والدولة المسماة بإسرائيل ، ولعل العامل المشترك بينها هو الدماء التي سالت تمهيدا لقيام كل واحدة منها ، بينما قامت دولة الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة إثر الهجرة المباركة دون قطرة دم واحدة ، بل وكانت تقيم العهود مع مشركي مكة ومع يهود المدينة ، حتى فتحت مكة موطن الكفار والمشركين – آنذاك – دون قطرة دم واحدة ، ورغم تمكن الفاتحين من رقاب عبدة الأصنام والطواغيت !!!

قامت في المدينة دولة الإسلام على يد محمد بن عبدالله نبي الأمة بلا دماء ، وقامت بعدها بقرون دولة في إقليم نجد والحجاز على أنهار من الدماء !!!

ولم يأت هذا الأمر على غفلة من غفلات الزمان وإنما هو من نبوءات الوحي التي وردت على لسان النبي عليه الصلاة والسلام الذي أشار إلى ظهور رأس الفتنة وقرن الشيطان من نجد،وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر أن يخاطب الناس على قدر عقولهم فإن الفكر الذي نادى به ابن عبدالوهاب قد خالف هذا الأمر وما أكثر وأعظم مخالفاته وسقطاته . لقد دأب الفكر الذي دعا إليه رأس الفتنة النجدي على حشو عقول العوام والجهلة بمسائل الخلاف التي هي من المقام بحيث ينبغي أن تحصر في أهل العلم وطلبته العقلاء ، كي لا تكون مدخلا للشيطان يفرق به كلمة المسلمين ، ولكن لأن دعوة ابن عبدالوهاب كانت -ولا تزال- دعوة إقصائية دموية فالأهم في عقيدته وعقيدة أتباعه تكثير الأتباع وإن كان ذلك على حساب العقول والأرواح ، فتجد من لا يحسن الوضوء من أتباع نحلتهم يتكلم في مسائل الخلاف بل ويكفر الخصم بها ، وتجد من لا يفرق بين الجمرة والتمرة ولا بين الضب والتمساح يجادل فيما يحيط بذات الخالق سبحانه دون أدنى وجل ، وتجد من لا يحسن الوقوف على مفاصل العربية يشاح في المتشابه من آيات القرآن الكريم ، فلا عجب إن سمعت عن أحدهم -وإن كبر مقامه بينهم- ينكر المجاز في لغة العرب توصلا إلى سلامة فكر إمامهم الأكبر من التهاوي أمام تصديات العلماء ، ولا عجب إن سمعتهم يقولون لأن تجالس الفاسق الموافق خير من مجالسة الصالح المبتدع ، فبمثل هذه المباديء يلوذون عن مقارعة الراسخين من أهل العلم كما تلوذ الثعالب من الأسود ، خوفا من دحض حجهم الواهية وتزلزل عروش أفكارهم البالية بما يكشف زيف نهجهم وبالتالي تساقط أتباعهم عن خط سيرهم ، فبهذا حاولوا تحصين جهلتهم وعوامهم لعلمهم بخوائهم وبأن ما أودعوه في عقولهم ما هو إلا حشو تقضي عليه بوارق الحقيقة ، ولذا فتراهم لا يجيدون إلا البكاء والعويل والصراخ والنحيب أمام الناس واختلاق القصص الكاذبة والأراجيف الهزيلة يزينون بها محاضراتهم واجتماعاتهم ، وهم يظنون بذلك أنهم على شيء ، ولعمر الحق إن هو إلا الضلال المبين . لا تسمع لأسوأ الأخلاق إلا فيهم ولا أغلظ الطباع إلا عندهم وإن اختلفت أوطانهم ، سبابون لعانون مارقون من قيم الفضيلة ، يناصرون الظلم والظلمة ويقاتلون الحق وأهله يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان . ما تركوا من آثار دولة الإسلام الحقة شاهدا إلا هدموه ولا ماجدا إلا قتلوه وما دخلوا قرية إلا أفسدوها وشاهد الحال لكل ذي لب أظهر من المقال .

جندوا الأموال وأشباه الرجال في تدوين وطباعة الفكر الحشوي وملئه بالغث والسمين وبما يصلح وبما يفسد وصولا إلى نشر الدين الوهابي في أكبر شريحة ممكنة في العالم فوزعت الكتب والنشرات والمطويات والأشرطة والرسالات بالمجان وبيعت بأبخس الأسعار لضمان بقاء ما ينادون به على قيد الحياة ، وأجبر الطلاب منذ نعومة أظفارهم على معرفة توحيد ابن عبدالوهاب الذي هو في حقيقته تجسيم وتشبيه وتكفير فامتلأت المناهج بذلك وأطبقت عقولهم على أن الجنة لهم وأن من سواهم في غياهب الظلمات . بهذا الفكر ربى إبن عبدالوهاب النجدي أتباعه وأباح لهم قتل المخالف ولو على مسألة من مسائل الفروع فقد ورد في كتاب فتوحاته المزعومة المسمى بالمجد في تاريخ نجد أنه أمر بقتل رجل أعمى صلى على النبي جهرا بعد أذانه مباشرة !!! وما أقرب هذه الواقعة لهذا المجدد بفتوى شيخه الأعظم ابن تيمية الحراني الذي أفتى بقتل من يجهر بالنية في الصلاة إذا استتيب فلم يرجع !!! هكذا هي دماء الناس وأرواحهم رخيصة عند هؤلاء ولم تعصمها لا إله إلا الله منهم رغم أنهم يعتقدون بأن من قالها دخل الجنة وإن فعل ما فعل من الكبائر حتى لو لم يتب ، لكنهم يحصرون ذلك فقط في أتباعهم وفيمن لم يخالفهم ، فانظر كيف يكيلون بمكيالين مع أن الإسلام دين العدل والإنصاف “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى” . تزاوج الفكر الوهابي مع المال منذ نشأته لأنه به يستمد حياته ويشتد عوده ، فماذا أنتج للأمة الإسلامية منذ نشأته حتى يومنا هذا ؟ لن تسمع عن تفجير في بلاد المسلمين إلا ويتصدره أصحاب هذا الفكر الذين يستبيحون كل شيء بفتاوى جاهزة قد يصدرها كل من هب ودب ما دام قد قرأ كتابين وحفظ حديثين وتزعم فريقا أو فريقين .

ولذلك تجد فتاوى التكفير عندهم الركن الركين في عقيدة التوحيد المشوهة التي أرهقت البشر والحجر ، ومن لم يضلل أو يفسق أو يكفر فهو الغريب بينهم أو قل ليس له حظ من بركة الإمام المجدد ، ولذا ملأ التكفير أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا والصومال وغيرها من بقاع الأرض التي أنت وصرخت واستغاثت من تطرف الفكر الوهابي وتدخله في أي فتنة تظهر في بلاد المسلمين والذي يعد ابن تيمية المنظر له وتلميذه ابن القيم .

فهذا كل ما أنتجه هذا الفكر الشيطاني الدموي وبدعم -للأسف الشديد- من حكومات آل سعود المتعاقبة الواقعة تحت ضغط التيار اليميني المتطرف المنحدر سلالة من ابن عبدالوهاب ، فأعقبها حكومة وشعبا كرها في قلوب الشعوب . لقد قامت -على إثر تدخل الوهابية في كل بلد مسلم تحدث به فتنة – حركات وتنظيمات وأحزاب وفصائل تزيد الفتن اشتعالا وتنتقل بها عبر الحدود دون تفريق بين عالم وجاهل أو بين شيخ وطفل صغير أو بين رجل وامرأة ، فنشأت حركة الشباب المجاهدين في الصومال وبوكوحرام في نيجيريا والقاعدة في أفغانستان وأنصار القدس في مصر وجبهة النصرة في سوريا وأخيرا داعش في العراق والشام ، وكثرت التفجيرات والقتل على الهوية وقطع الرؤوس والتمثيل بالجثث ، وغرر بالشباب واستدرجوا إلى مناطق الصراع تاركين أوطانا بحاجة للبناء وأهلا بحاجة إلى البر والرعاية ، كل ذلك بفضل دعاة تخصصوا في حشو عقول الشباب عن طريق المحاضرات التحريضية والخطب الطائفية والقنوات المأفونة بحب الشقاق واللعن والتكفير .

ولعل داعش اليوم التي أجمع العالم كله على قطع شأفتها وضرورة تدميرها واستئصالها هي أكبر حركة فكرية جهادية دموية إقصائية طائفية أنتجها فكر ابن عبدالوهاب والتي وصل بها الأمر إلى قتل المئات بل الآلاف من الشباب والرجال دون تمييز بين مراهق وشيخ كبير ، فقتلت من الجيش السوري ومن العراقي ومن الإيزيديين ومن الشيعة الكثير الكثير تحت صيحات التكبير والتهليل التي أصبحت شعارا للإرهاب في الكرة الأرضية . الذي أريد الوصول إليه هو أن داعش إنتاج فكري سعودي وهابي بامتياز وأمريكي صهيوني لوجستيا ، فهو يحمل عقيدة ابن عبد الوهاب وينشر كتبه ويعيد طباعتها وتوزيعها ، نفس الأمر الذي يقوم به مشايخ نجد ويزكيه علماء السلطة عندهم ، فلماذا قررت السعودية الدخول في التجمع الدولي لحرب داعش والقضاء عليها ؟

أليست داعش عبارة عن مجموعات من المرتزقة والشاذين والشباب المغرر بهم والذين جاءوا من أقطار مختلفة بواسطة دعاة السعودية المعروفين والمشهورة أسماؤهم والذين ما فتئوا يدعون إلى الجهاد في سوريا ومقاتلة النظام السوري وجيشه تحقيقا لرغبة السعودية في الإطاحة بنظام بشار ؟

فإذا كان الجواب بنعم ، وعودا على مقدمة مقالنا هذا المتعلقة بالبر بين الأبناء وآبائهم ، فلماذا تخلت الأم عن ابنتها التي صنعت تحت سمعها وبصرها وبعقيدتها الرسمية وفكرها التي امتلأت به مناهجها الدراسية في مختلف المراحل التعليمية ؟! أليس أفراد داعش هم من شرب فكر ابن عبدالوهاب وغذي به منذ نعومة أظفاره؟

أليسوا هم أتباع من جعل الله سبحانه وتعالى جسدا وركب له الجوارح وأقعده على عرش كملوكهم فخالفوا إجماع الأمة ونصوص القرآن ؟

أليس علماء نجد وما حولها هم أشياخ داعش وأساتذتهم؟

أليس في الدرر السنية من المقررات ما تنتهجه داعش بحذافيره فاستباحت به دماء الشعوب وأموال الناس وذراريهم ؟ أليست الدولة السعودية هي من يطبع الكتب المشبعة بالتكفير وفتاوى القتل ؟

إذن فلم قررت الأم أن تأكل ابنتها بعدما أرضعتها لبنها (الصافي) فاشتد عودها به ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق