المحلية

يوم نجا زهران علوش من قبضة «علاء البوسنة»

لم يكن الحاج علي فياض او “علاء البوسنة” قيادياً عادياً في المقاومة، بل شخصاً فزاً دمج بين البرودة العقليّة التي تنتج خططاً محكمة وسخونة الميدان التي تكفل ترجمة الرؤى، فكان علامةً فارقةً في ميدانٍ جارف تصارعت فيه الدول وعليه.

لعب “علاء البوسنة” في ملعب الكبار وفق تكتيكه، لم يختلف الميدان السوري كثيراً عن ميدان “البوسنة” يوم ذهب “الحاج علي” بغاية تدريب الجيش هناك على صد هجمات الصرب وحماية الأقليّمة المسلمة من بطش “سليفودان ميلوزوفيتش”، أيضاً لم يختلف عن ميدان جنوب لبنان أو العراق، هنا، في سوريا، كل الأمم تتصارع ومن كافة الأجناس، فكان ميدانٍ يحبه “علاء” على إيقاع الدمج الذي يهواه.

لن ندخل هنا في سرد إنجازات “علاء البوسنة” الكثيرة في الميدان السوري فهي تحتاج إلى ساعات لترجمة جانب من الحياة المظلمة في حلبات القتال، ففي كل جبهة طلّ عليها حفر بصمةً فيها ونموذجاً من قتالٍ كسر الخصم من بوابة برودة أعصاب تختار خططها بحنكة، فكان “ملك الميدان” وفق ما يقول بعض من عرفه. أسلوب العبوات الناسفة الذي نقله بكافة نماذجه إلى الميدان السوري له حكايات لا تنتهي بقلم حبر واحد أو عدة صفحات. من الغوطة الشرقية وأطراف جنوب دمشق وميادين سهل الغاب، إلى ريف اللاذقية، وأرياف إدلب، درعا وحلب الشواهد كثيرة، يوم كان الارهابيون يتطاريون وهم يرقصون على إيقاع عبوات “سجّيل” و “عاصف” ويوم كانت أمواج الإختراق تقتحم خطوط دفاعهم لتسقطها مع المشاريع.

في منطقة القلمون بيوم من أيام عام 2014، كانت المعركة في الغوطة الشرقية تأخذ أشكالاً متعددة ونمطاً شخصياً بالنسبة إلى قائد ميليشيات “جيش الإسلام” زهران علوش، الذي كان جنوده يرابضون على جبهات في منطقة القلمون الشرقي والغربي وعلى خط ربطهما مع الغوطة الشرقية. كان “علاء” قبل فترة قصيرة يراوض “جيش الإسلام” في ميدان العبوات الناسفة الذي كان يحصد عشرات الجثث من المسلحين المجهزين القادمين من الأردن. هو أمر حوله إلى عدوٍ لدود بالنسبة إلى “علوش” على ما تؤكد مصادر المقاومة، التي تكشف ان الأخير وضع على رأس عمله متابعة علاء البوسنة بوصفه مسؤولاً عن ما كان يجري لعناصره، ربما كان “علوش” يعرف عن “الحاج علاء” معلومات وربما لا، لكنه ومن المؤكد أنه كان يدري بأهمية الشخص وهدفه.

تذهب المصادر الميدانية لحد القول أن “علوش طلب تجهيز ملف كامل وملاحقة علاء البوسنة وصولاً إلى إغتياله” تتحدث أيضاً أن شكل ذلك كان عبارة عن مجموعات متعددة مولجة الرصد وتأمين المعلومات، لكن “علوش” وعلى الرغم من ذلك لم يفلح ولو لمرةً واحدة من الوصول إلى “الحاج علاء” على عكس الأخير الذي حوّل جنود “زهران” إلى جثث تتطاير في السماء وكاد أن يُذِيقه طعم المصير نفسه.

هي معلومات قديمة حصلت عليها “الحدث نيوز” خلال جلسة في أحد مقاهي الضاحية الجنوبية مع أحد القياديين الميدانيين. لم يكن يومها “الحاج علاء” وحده محور الحديث، كانت الأمور متشعبة لكن التركيز كان على معارك الغوطة الشرقية التي كانت تخفي الكثير من أسرار “غزوة دمشق” – المشروع الحُلم – الذي أجهض على أعتاب العاصمة وقلب حصارها لمصلحة الجيش الذي أمسك المسلحين في عمق مناطقهم. القيادي الميداني الذي كشف الكثير عن معارك الغوطة، كان دائماً يلج إلى أسم “الحاج علاء” يصفته أحد الأركان العسكريين في الميدان. لطبيعة العمل الأمني وسرية المقاومة كنت أسمع وأخزن في الذاكرة المعلومات علّها تجد طريقها في التعبير والمكان الأفضل لإستخدامها يوماً ما.

لفتني يومها حديث القيادي عن “نجاة زهران علوش من محاولة تصفية”، إستوقفته هنا للإستفسار، فبادر دون تفكير للرد “نعم! ولكنه نجا”. في الرواية، أنه وعلى غرار تتبع “علوش” لـ “البوسنة”، عمل الأخير على محاولة الوصول إلى معلومات حول تحركات زهران علوش. في طبيعة الحال لم يكن الوصول إلى تلك المعلومات بالأمر السهل فلـ “البوسنة أساليبه.. هو عمل أمني” على ما يؤكد القيادي.

وبحسب الرواية، فإن “علوش” وقع يوماً في المحظور حيث وصل تقاطع معلومات مبني على رصد كشف عن تحرك زهران علوش نحو منطقة القلمون الشرقي ووجوده في جزء مرتبط مع الغوطة الشرقية، حيث كان يقوم بجولة على مواقع رباط تابعة لمسلحيه. المعلومات هذه وصلت قبل وصلول علوش نفسه إلى وجهته، على ما أكد القيادي يومها.

لم يبخل “علاء البوسنة” يومها بتقديم واجب إستقبال علوش كما يليق به، فعمد ومجموعة من “خليته” إلى رصد المنطقة وزرع عبوات ناسفة على طريق ترابي مفتوح كان “علوش” ينوي عبوره عند خروجه من منطقة القلمون نحو الغوطة. كانت الخطة تقضي بتفجير العبوات بموكب السيارات الذي يقله، لكن التركيز كان على سيارة جيب “نيسان” بيضاء توافرت معلومات حول إمكانية وجوده داخلها فركزت المجموعة الإستهداف عليها. قبل ساعة الصفر تحضر الجميع، يؤكد القيادي الميداني ان أعضاءً في المجموعة تناوبوا على رصد الطريق والكمن منتظرين مرور علوش. في ساعة الصفر المحددة التي قُرّرت بناءً على المعلومات، تدخل القدر لينجو زهران علوش. إختار الأخير أن يمر من طريقٍ ثانٍ في اللحظات الأخيرة!.

لم يغضب “علاء البوسنة” يومها بل ردّد على ما يؤكد القيادي أن “وقته (أي زهران) ربما لم ينتهِ” مع الإبتسامة الصغيرة تلك التي كانت تُزين وجهه. إنسحبت المجموعة تاركةً العبوات خلفها. يكشف القيادي الميداني، على ما أذكر، أن “زهران علوش” علم لاحقاً بنجاته من قبضة “علاء البوسنة”، كيف ذلك؟ يقول أنه علم بعد أن فُجّرت العبوات لاحقاً بموكبٍ تابع لميليشيات “علوش” بينما كان يمر على ذلك الطريق ويقوم بنقل مقاتلين وعتاد وذخيرة، فهم “علوش” يومها أنه المستهدف، والله أعلم، “حسب معلوماتي أن الحاج علاء علم أن علوش فهم المراد من العبوات”.

رحل “زهران علوش” بغارة نوعية ربما أصابع “الحاج علاء” ضالعة فيها، شهد بنفسه على موت غريمه “علوش” قبل ان يركب صهوة الجواد مرتحلاً نحو الملكوت مطمئناً أن هناك من هم خلفه سيكملون المسيرة.. من الجنوب وحتى دمشق.

عبدالله قمح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق