المحلية

14 آذار: عشرة أعوام من الخيبة – حسام مطر

من وكيل الأصيل … الى وكيل الوكيل 

منشأ الخيبة في تجربة قوى الرابع عشر من آذار هو في التناقض بين الشعار والبنية، شعار “الحرية والسيادة والاستقلال” رفعته جملة قوى لا تمت لهذه المفاهيم الثلاثة بصلة. شرائح من الجمهور المحتشد في الساحة عام 2005 كانت صادقة ومؤمنة بالشعار، إلا أن “صدمة اللحظة” حالت دون إدراكها لهذا التناقض منذ البداية، غير أن “خريف” قوى 14 آذار حل مبكراً وتساقطت هذه الشرائح واحدة تلو الأخرى بعد جملة اختبارات فاشلة.

ائتلاف 14 آذار هو وليد القرار الأميركي – الفرنسي – السعودي بإخراج سوريا من المعادلة اللبنانية بهدف تغيير ميزان القوى الداخلي بما يسمح بإضعاف حزب الله وتجريده من قوته. القرار 1559 هو رحم قوى 14 آذار، وهو قرار له سياق إقليمي مرتبط مباشرة بالمأزق الأميركي في العراق، ما دفع الأميركيين لمحاولة إحداث توازن قوى مع إيران وسوريا انطلاقاً من لبنان لتخفيف الضغط العسكري والسياسي على مشروع الاحتلال الأميركي في العراق. بهذا المعنى، لم يكن عدوان إسرائيل عام 2006 على لبنان إلا حلقة في هذا المسار.

انتهت 14 آذار يوم سعت لإقصاء التيار الوطني الحر من خلال محاولة تطويع العماد عون تحت جناح تيار المستقبل. هذه الخطوة مهدت لورقة تفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، وهو تفاهم سمح بإعادة التوازن الى اللعبة الداخلية، وهذا ما حد من طموح 14 آذار بالاستئثار بالحكم تحت حجة الأكثرية النيابية التي استحصلوا عليها بفعل “الحلف الرباعي” مع حزب الله وحركة أمل. ورقة التفاهم قضت على “خديعة” أن 14 آذار تستأثر بالتنوع الطائفي من ناحية أولى، كما أن تجربة العماد عون مع 14 آذار أثبتت أن ائتلاف 14 آذار يخضع واقعاً لهيمنة مذهبية تظلل التنوع المزعوم.

منذ البداية، كان حزب الله واقعياً مع حقائق التركيبة اللبنانية ولذا ساد في خطابه الدعوة للشراكة والسلم الأهلي، لأنه يدرك استحالة الهيمنة والتفرد. بالمقابل تلقت 14 آذار جملة صدمات خائبة نتيجة “استعلائها”، فانتهت تجربة حكومة السنيورة المبتورة الى نتائج كارثية، وحصلت 8 آذار على حق “الفيتو” في الحكومة التالية. كان هناك سعي أميركي دائم لإخراج حزب الله من الحكومة لتحويل الصراع في البلد بين “حكومة شرعية” وبين “حركة تمرد إرهابية”. نجح حزب الله في البقاء عنصراً غير قابل للتجاوز في التركيبة الحكومية وبقي عنوان “المقاومة” حاضراً في البيانات الحكومية برغم كل محاولات 14 آذار المستميتة لمنع ذلك.

في الوقت الذي كانت 14 آذار تسعى جاهدة لإبراز تجانسها مع الغرب والحداثة في مقابل “الشادور”، كان يخرج أمثال فارس سعيد مادحين أنظمة الاستبداد العربي المتخلفة تحت عنوان “نظام المصلحة العربية”. فجأة تحول صقور “اليمين المسيحي الفنيقي” الى عروبيين، ليس عروبة عبد الناصر، بل عروبة آل سعود، عروبة في خدمة الهيمنة والاستعمار. 14 آذار هي حليفة مبارك، ثم حليفة خصومه “الإخوان المسلمين”، ثم حليفة خصمهم السيسي، هذا هو الثبات الثوري. أما عن زيارة قوى 14 آذار لقطاع غزة، فتلك هي الكوميديا بأبهى حللها.

في ظل الانتكاسات المتتالية لمشروع “14 آذار” وتفسُّخ نسيجها بعد ضمور شعارات الاستقلال, جرى سد هذه الفجوة من خلال “الخطاب المذهبي” الذي حفظ لهذه القوى حدّاً مقبولاً من التعبئة الشعبية، وهو يكاد يكون النجاح الوحيد لهذا المشروع. واللافت أن أكثر الأصوات المحرضة على الاشتباك السني – الشيعي خرجت من قوى وشخصيات مسيحية في “14 آذار”. هذه الأصوات لم تغادر يوماً منطق الحرب الأهلية، وعملت وفق معادلة بسيطة وساذجة: “فليتقاتل السنة والشيعة فيما نحصد نحن المكاسب.”

مع نهاية ولاية بوش، رضخ الأميركيون لواقع ميزان القوى تجاه حزب الله وتحولوا الى مواجهته من خارج الساحة اللبنانية، فيما تُركت قوى 14 آذار على “أعلى الشجرة”. ثم بتلاحق الأحداث، بادرت بعض قوى 14 آذار للنزول الى أرض الواقع، كان الوزير جنبلاط أولهم، فيما يصر أعضاء الأمانة العامة لهذه القوى بالجلوس “فوق” يصيغون بيانات متكررة مملة ورتيبة تلقى في واد أصم. كلما يتلو منسق أمانتها العامة بياناً لا يسع المرء إلا أن يرى التاريخ يتكرر بين مأساة ومهزلة، هل يصدق الرجل ما يقول؟ الأهم، هل يصدق الرجل أن هناك من يصدق ما يقول؟
بعد عشرة أعوام تحولت 14 آذار الى مساكنة قواتية – مستقبلية، يعيش على هامشها حالمون وواهمون ومضطرون. لم تقدم نخبة 14 آذار قدوةً لا في الإصلاح ولا الشراكة ولا الإستقلال ولا المواطنة ولا السيادة، بل نقلت الحال الى أسوأ مما كان. نخبة 14 آذار هي نسخة مكررة وبائسة للنخب الملحقة بالهيمنة في دول العالم الثالث، ليست إلا رأس جسر للهيمنة الأميركية المعاصرة ولكن مع كثير من الصخب والألوان، نخبة انتهت حينما فشلت بتثبيت رأس الجسر. انتقلت “14 آذار” من وكيل للأصيل الأميركي، الى وكيل للوكيل الأميركي (على شاكلة ولي ولي العهد)، نخبة ملحقة بقوى إقليمية مربكة لا تفلح إلا بنشر الخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق