تقارير

آفاق.. يا عَلَمي: نهلة سوسو

هنا كانت الساحة المزنرة بشجر المرجان، والنخيل ينتصب متعالياً بمراوحه الخضراء، من دون أن يلقي نظرة على الأرصفة حيث مثوى الزهيرات اليابسة كخواتم الذكريات، وفي وسط الساحة، كان النصب الرخامي الذي فقد لونه من الغبار المحمول على الريح والمطر وأقدام العابرين وعوادم السيارات! هنا كانت ساحة، يصعب على الخيال إعادة تكوينها، كما رئيت مرات لا تحصى، والخطا تجتازها الى أكثر من جهة…
هنا كانت شرفة عريضة، في طابق ثالث، مجهولة النسب معلومة الملامح عشق صاحبها أو صاحبتها المساكنة مع شجيرة فل، كنت أحسب كلما مررت تحتها أنني شربت القهوة فيها وحدي وأطللت على العابرين من علٍ، ونبتة أخرى اسمها الشمعة، تقطر دمعاً في سويعات الليل والسكون! ولطالما مررت، ورأيت الماء قد أنهى نزوله إلى الشارع بعد انتهاء غسل السور الحديدي المزخرف! وعلى الزاوية، تحت الشرفة مباشرة، كان صانع أطر اللوحات، بواجهته الزجاجية الساطعة، أمر أمامه فتتباطأ خطاي بلا إرادة، وعيناي تتأملان الجديد! منذ زمن كانت هنا أيقونة للسيدة العذراء، بإطار بني مزخرف بأزهار الميموزا وبعد أيام حلت لوحتان: نفرتيتي، على ورق البردي، بألوان أخاذة ولاسيما الفيروزي، وصورة لوحة لنذير نبعة، فيها امرأة، أسبغت عليها خصائص سورية، الأرض والوطن، من شعر طويل مسترسل مغطى بشال حريري ضبابي وثوب قطني رقيق سابغ وخواتم ماس وياقوت وعقيق بالأصابع العشر، وأقراط الفضة المشغولة ببراعة العنكبوت، في لحظة افتتان بأول خيوط الشمس وقطرات الندى! بعد خطوتين كان باب المكتبة التي لم أدخلها يوماً لأن المكتبات كعتبات البيوت إما أن ترتاح إليها وإما أن تتجاوزها….
أمشي حيث سجيت الأشجار والأزهار والكتب واللوحات وسور الشرفة وحطام الحجر وفتات الملاط وبعض المتناثر مما تضيق منه النفس، كالبراغي واللواصق والأغلفة المنزاحة عن الكتب وقد انكفأت على وجهها، وانكبت تصرخ في شقوق الاسفلت، فيضيع صوتها بين الحصى! أنظر الى نهاية الشارع الذي كان يفضي الى حي شعبي، طوابقه بلون البرتقال العتيق الناصل، فأرى نهايته مسدودة ببراميل محطمة، ومقلوبة، مكتوبٍ عليها بخط بشع عبارات غير مكتملة، وتلوح النوافذ بستائر ممزقة، ملوثة بالسواد والغبار، ومع ذلك تستسلم للنسيم في مهزلة، تبكي وتضحك من مآسي الإنسان وجهله على هذه الأرض..
للحظة ظننت أنني في كابوس طويل لا يقظة منه! تحولت إلى ضحية آمنة لا تريد الانفصال عن الخراب لكن هديراً مفاجئاً وقع.. خطوات أقبلت… جاؤوا وفي طليعتهم شاب، حضنت خوذتُه شعرَه الطويل المجعد! ركز العلم فوق تلة الخراب، وعلت من الحناجر الملأى بالعافية: بالروح بالدم نفديك سورية! ويا لروعة ما حصل! اختفى الخراب ونهض العمران، كأن يداً سحرية أزالت عن بياض لوحة عملاقة، تلوثاً من الطين والسخام! نهض الحجر واستقام، وعادت الشرفات إلى مكانها، وأزهرت براعم المرجان وماس النخيل بكبريائه الذي لا يزول واصطخب المكان مجدداً بحركة الناس.
يا عَلَمي ما كان تقديسك محض اعتياد، ونحن نحييك، مبتدأ كل صباح قبل الدخول إلى الصف، فأنت حين تكون على سارية، وفي ساحة وعلى دبابة تمخر الأرض المحررة، تنقل الوطن بأسره إلى بر العمار والجمال والأمان.. وحين خفقت قربي نهضت بلاد الشام على ضفاف من خضرة وشقائق نعمان وجنان خلد تخفق أنت على بواباتها.. وتحرس أرواح شهدائها.

تشرين السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق