تقارير

أبعاد أخرى لملحمة عين العرب (كوباني) – معن بشور

 

كُتب الكثير عن ملحمة عين عرب (كوباني) بأبعادها العسكرية والإستراتيجية، السياسية والإنسانية، إلا أنني أشعر ان من واجبي كقومي عربي ان أتوقف عند أبعاد لم يتوقفعندها كثيرون في حمى الانشغال اليومي بمتابعة تفاصيل المعركة والاعجاب برجال المدينة الصامدة ونسائها الابطال.

لقد أبرزت هذه الملحمة عمق وحدة المصير بين الكرد والعرب في مواجهة خطر متسلّل من اعماق تاريخ الفتن في منطقتنا ليضرب حاضرنا ومستقبلنا، فاكدت ان معركة الكرد في سورية هي معركة العرب المدافعين عن وحدتهم بوجه التفتيت، وعن تقدمهم بوجه التخلف، وعن اسلامهم الحقيقي بوجه محاولات الانفضاض عليه من الداخل بعد فشل محاولات الانقضاض عليه من الخارج.

وأكد تعاطف ابناء سوريا، بكل الوان طيفهم السياسي والاجتماعي، مع اهالي مدينة عين عرب (كوباني)، وكذلك تعاطف الشرائح الأوسع من المجتمع العربي، ان الرابط الذي وحّد العرب والكرد بقيادة صلاح الدين الايوبي قبل اكثر من 800 عاماً لتحرير القدس هو نفسه الذي يوحدهم اليوم بوجه من يريد ابعادهم مجدداً عن تحرير القدس واستعادة فلسطين، ويدخلهم في عالم من الاحتراب والاقتتال والتوحش، وكأن بهؤلاء يريدون مجدداً الانتقام من انتصارات صلاح الدين، كما فعل الجنرال اللنبي حين دخل القدس محتلاً على رأس جيش الانكليز قائلاً: “اليوم انتهت الحروب الصليبية”، او كما فعل الجنرال الفرنسي غورو حين وقف، بعد احتلال جيوشه لسوريا، امام قبر صلاح الدين قائلاً :” ها قد عدنا يا صلاح الدين”.

كما اكد هذا التعاطف أخوّة العقيدة والتاريخ والمصير بين قومية العرب وقومية الكرد، اذ لا يمكن ان يكون احدنا قومياً عربياً او سورياً او عراقياً او مصرياً او مغربياً وينكر على غيره قوميته او وطنيته، تماماً مثلما لا يمكن لشعب ان يكون حراً اذا استعبد شعباً أخراً.

لقد كشفت هذه المعركة ايضا كثيراً من الزيف الذي جرى ضخّه في اعلامنا وعقولنا ووعينا بأن من يخوض حرب الابادة الجماعية ضد عين عرب (كوباني) ومحيطها انما يفعل ذلك في سبيل الله، فيما الله (عز وجل) بريء من كل توحش واجرام، او انما يفعل ذلك من أجل الاسلام فيما الذين يذبحون اليوم في عين عرب (كوباني) وغيرها هم ايضا مسلمون مؤمنون.

وكشفت هذه المعركة كذلك ازدواجية حكومة اردوغان في تركيا، حين تترك شعباً كردياً بأكمله يذبح او يشرّد على حدوده، فيما تمتلك دون غيرها وسائل إحكام الحصار على قتلته، فكيف يكون اردوغان ضد القتل في سوريا عموماً، ويبقى صامتاً، حتى لا نقول متواطئاً، مع القتل في عين عرب (كوباني) ومحيطها.

وكشفت ملحمة عين عرب (كوباني) ايضا من جديد سياسة ازدواجية المعايير التي تعتمدها واشنطن وحلفاؤها اذ تركت لاسابيع اهل عين عرب (كوباني) يقاومون وحدهم “الغزاة الجدد”، فيما طائرات التحالف تجول في سماء الشمال السوري والغرب العراقي دون ان تستهدف تجمعاً واحداً لهؤلاء الغزاة المحيطين بعين عرب (كوباني)، حتى اذا ما بدا ان المدافعين عن مدينتهم يبلون بلاءً حسناً، ويصدون الهجمات عنها، تتحرك طائراتهم لإبعاد الغزاة بعد ان كان اكثر من مسؤول اميركي قد اعلن “ان انقاذ عين عرب (كوباني) ليس من أولويات الاستراتيجية الامريكية” واكثر من مسؤول أممي دعا العالم “لمنع ارتكاب مجازر في عين عرب (كوباني) بعد سقوطها” معلناً سقوط المدينة الباسلة وأهلها في عزّ مقاومتهم.

سينتصر غداً اهل عين عرب (كوباني) ومحيطها على الغزوة المتوحشة الجديدة، ويثبتون كغيرهم في سوريا ولبنان وصولاً الى العراق، ان الصمود البطولي هو وحده الكفيل برد العدوان، أيّاً كان مصدره، ولكن ما هو أهم من النصر ان يبنى على ما بدا من التفاف عربي واسلامي حول عين عرب (كوباني) كل ما يحتاجه اقليمنا، بعربه وفرسه وتركه وكرده من تفاهم عميق. يجسد وحدة المصير والمصالح ويحترم حقوق الجميع، من مكونات هذا الاقليم، على قاعدة ان لا أقليات في رحاب الحضارة العربية الاسلامية الجامعة.

فالعرب غير المسلمين (والعرب المسيحيون في المقدمة) هم جزء من الاكثرية العربية في هذه المنطقة، والمسلمون غير العرب (والاكراد في المقدمة منهم) هم ابناء الاكثرية الاسلامية، والجميع ساهم في بناء الحضارة، كم ساهم في الدفاع عن هوية الامة واستقلالها وعقيدة ابنائها بوجه كل الغزاة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق