تقارير

أصابعنا المحترقة – نبيه البرجي

الكل من دون استثناء كانوا يراقصون الثعبان. القياصرة والسلاطين و شيوخ القبائل الذي صنعوا الازمة في سوريا، او مولوها او حاولوا توظيفها استراتيجيا، او دخلوا اليها من ثقب الباب، اكتشفوا في هذه اللحظة، في هذه اللحظة بالذات، ان اصابعهم احترقت، وان الازمة زعزعتهم جميعا…
جيفري غولدبرغ قال «لو كان للانبياء ايضا ان يتدخلوا لاحرقوا اصابعهم». هل تقتصر النتائج على احتراق الاصابع، ام ان ثمة عروشا وانظمة وسياسات ومعادلات هي الآن في حضرة الثعبان؟
لا نقرأ لباحث او لمعلق غربي الا و يلاحظ ان احدا لم يفكر، ولو للحظة، في بنية النظام، ولا في موقعه داخل نقطة التقاطع بين التوازنات الدولية والتوازنات الاقليمية. والدليل ان تلك الرؤية القبلية، والغرائزية، للبانوراما السورية اشعلت المنطقة بأكثر بكثير مما تصور، او توقع، الاخضر الابراهيمي…
الشرق الاوسط كله فوق البركان. ثمة دول كانت تعتبر نفسها ثابتة بثبات الدهر،ولا صلة لها بتحولات الدهر، تستشعر الآن ان الثعبان يلعب تحت جلدها، فيما الهبوط المبرمج لاسعار النفط، على انه الوسيلة التي ستخنق الاعداء و ترغمهم على رفع الرايات البيضاء، ارتد، بصورة دراماتيكية، على المخططين. ماذا اذا استمرت هذه الحال وبدأ الاستنزاف المنهجي لتلك الاحتياطات الهائلة؟ ولقد بدأ فعلا…
الآن، يقرون بأن الاولوية ينبغي ان تكون للحيلولة دون الانظمة والتصدع، دون المجتمعات والتفجر، بعدما بينت التطورات ان تنظيم الدولة الاسلامية ليس ظاهرة عابرة، بل ظاهرة عابرة للحدود، وللصحارى وللبحار، وبل عابرة للجيوش و للاساطيل، اذا ما اخذنا بالاعتبار ان هناك خبراء اميركيين ما زالوا حتى الآن يحذرون من وصول «داعش» الى «المناطق المحرمة».
الآن ايضا باتوا على بينة من ضرورة اعادة النظر في السياسات وفي الاستراتيجيات، ولكن من دون التخلي عن تلك النظرة، و النظرية، الثأرية، اي تقويض النظام في سوريا.
هنا لا ندافع عن النظام ولا عن غيره, ولكن لو كان له ان يتهاوى لتهاوى من الساعات الاولى، او من الاسابيع الاولى، بعدما اطبق عليه كل المحيط، وبعدما انفقت مليارات الدولارات، وبعدما استجلب شذاذ الآفاق من اصقاع الدنيا، وبعدما جرى توظيف الشاشات الكبرى لغسل عقول الناس، بل لغسل ضمائرهم، على اساس ان انظمة القرون الوسطى هي التي ستأتي الى السوريين بجمهورية افلاطون…
لا احد في الغرب، لا احد بين العرب، يعلم ماذا عليه ان يفعل الآن سوى الرهان على تصنيع المرتزقة من اجل حفظ ماء الوجه، وعلى اساس ان جيش النظام قد انهك اواستنزف، الى الحد الذي يحمل هذا النظام على القبول بهيئة انتقالية، وبحكومة تملك صلاحيات تنفيذية كاملة…
ممن يفترض ان تتشكل هذه الهيئة؟ ألا يخجل اعضاء الائتلاف الوطني من البقاء في اسطنبول، وقد ظهر للقاصي و الداني ما هي مقاصد رجب طيب اردوغان بتلك الغطرسة المجنونة في بلاد الشام، وفي ارض الخليج، وصولا الى وادي النيل…
لا نتصور ان العملية الديبلوماسية التي تقوم بها موسكو يمكن ان تفضي الى اي حل. لكن الثابت ان هذا الحراك جاء نتيجة القصور الغربي، الاميركي بوجه خاص، ان في بلورة تصور ما للحل السياسي او في بلورة الاحتمال الخاص بازالة النظام عسكريا بعدما بدا لواشنطن مدى الخلاف بين الحلفاء الاقليميين حول من يرث سوريا، وكيف…
هل القتال الذي يجري بين «داعش» و«النصرة» او بين فصائل اخرى هو مجرد صراع داخلي على المواقع، والتلال، واحيانا على الغرف، ام انه انعكاس للعبة الخيوط التي باتت واهية اكثر من خيوط العنكبوت؟
يحكى عن مبادرة او بداية مبادرة مصرية بعدما بدا ان الجيش المصري، الشديد الحساسية حيال الجيش العثماني والذي لا احد إلا ويدري بعلاقته السيكولوجية والتاريخية بالجيش السوري. للتو ظهر من يلتف حول هذا الاتجاه بالمسعى المكثف لرأب الصدع بين الرياض وانقرة، فالمهم هو ابقاء الازمة السورية بين ساعة الجمر وساعة الرماد…
هذه محاولات ربع الساعة الاخير، وربما ما قبل الاخير. اذا كان هناك من حل لتلك التراجيديا. لا بد من اقفال الحدود التركية، وبعدما بدا الى اي مدى بلغ التماهي الاستراتيجي بين السلطان والخليفة. راهنا، الدوران داخل الحرائق. الروس يدركون ذلك ويلعبون ديبلوماسيا. يقولون لمن يسألهم: نعمل لانقاذ الجميع. لان الجميع عراة وألسنة اللهب تقترب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق