تقارير

أمريكا تنادي بالحريات، وتنتهكها…

في الوقت الذي تدعي فيه أمريكا أنها دولة السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، تشكل الإنتهاكات التي تقوم بها أمريكا في مجال حقوق الإنسان، أمراً يمكن من خلاله وصفها، وبكل ثقة، البلد الأول في مجال انتهاك القوانين الدولية التي ترعى حقوق البشر. ولكن المشكلة ليست في الحقائق، على قدر المواقف. فأمريكا التي تتقن إظهار نفسها بالدولة الساعية لتحقيق السلام بين الدول والمجتمعات، تعيش على أمجاد العالم الذي يصفق لها، وينافق معها، وبالتحديد، كلما حاضرت في مجال الحريات. فالتقارير غنية بالإنتهاكات الأمريكية في هذا المجال، وعلى الصعيدين المحلي الأمريكي، والدولي. فما هي أبرز وجوه هذه الإنتهاكات في أمريكا؟

أولاً: التمييز العنصري بحق السود:

ذكرت تقارير مكتب التحقيق الفيدرالي أن ١٤ شخصاً قتلوا في أمريكا برصاص الشرطة، منهم ٦ أمريكيين سود، منذ مقتل مايكل براون، الشاب الأسود الأعزل على يد شرطي أبيض في ٩ آب/أغسطس من العام الماضي، في مدينة فيرغسون، بولاية ميسوري. وتشير التقارير ذاتها الى أن نحو ٩٦ أمريكياً أسود قتلوا كل سنة من قبل شرطيين بيض خلال الأعوام ٢٠٠٥-٢٠١٢ فيما شهدت الأعوام الأخيرة زيادة في هذا الرقم.
واليوم يعاني الأمريكيون الأفارقة من حق المشاركة في تقرير المصير في بعض الولايات الأمريكية. فبعض الكنائس الأمريكية ترفض تزويج السود، وتسجل حالات التفتيش والإعتقالات في صفوف السود أكثر منها في صفوف البيض، كما تم تسجيل حالات لإطلاق النار على أمريكيين سود مدنيين غير مسلحين وتم قتلهم، دون معاقبة الشرطة على ذلك. ومثال على ذلك ما حدث منتصف يوليو/ حزيران ٢٠١٤ عندما قتلت الشرطة أربعة أمريكيين من أصول أفريقية برصاصها، بحسب ما ذكرته مجلة ماذار جونس الأمريكية اليسارية.
 ويعاني السود إقتصادياً، من سوء الأحوال أكثر مما كانوا عليه قبل ٢٠ عاما، فهم مهمشون في جميع مجالات الحياة، وتتضاعف نسبة البطالة بينهم عن نسبتها بين البيض، كما أن مدخولهم المالي أقل بنسبة الثلث من متوسط دخل الفرد في أمريكا، ونسبة السود الفقراء أكثر بثلاث مرات من البيض.
 ويعتقد البروفيسور في العلوم السياسية الألماني الدكتور كريستيان هاك أن الوضع الاقتصادي قد رفع مستوى التمييز العنصري في أمريكا. وبحسب ما قاله في تصريح لوكالة “تسنيم الدولية”: “أوباما لم يؤد أي دور سوي لون بشرته إلا أنه يتناغم مع البيض أكثر من أبناء لحمته وحتى يبدو في بعض الأحيان أنه أكثر بياضًا من البيض أنفسهم”.
ويؤكد الخبراء الإجتماعيون في أمريكا أنه ثمة مشاكل في كيفية تعاطي السلطات الأمريكية مع السود وبالتحديد تعاطي الشرطة معهم. ففي مدينة فيرغسون مثلا بلغت نسبة حالات التفتيش في صفوف السود ٩٢% ووصلت نسبة الاعتقالات في أوساط سائقي السيارات من السود إلى ٩٣%، في العام ٢٠١٣، وذلك رغم أن الشرطة وجدت أن عدد المخالفات التي إرتكبها البيض (نسبتها ٣٤%) أكثر بكثير من تلك التي ارتكبها السود (نسبتها ٢٢ %). وهذا التفاوت في النِّسَب ليس حصريا على مدينة فيرغسون، بل يتجاوزها إلى مدن أخرى. كما أن عدد حالات تفتيش الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية واللاتينية في شوارع نيويورك أكثر مقارنة بعدد حالات تفتيش الأمريكيين البيض.
ولا يقتصر ذلك على المؤسسات الحكومية، بل يتعداها لوجود منظمات خاصة لديها أفكارها العنصرية ضد السود وتعمل على تحريض المجتمع ضدهم، في ظل صمتٍ للسلطات الأمريكية. وعلى سبيل مثال “منظمة فرسان الإمبراطورية الجديدة في الولايات المتحدة” (نيو إمباير نايتس) والتي باتت تطالب رجال الشرطة الأمريكية البيض بتصفية الزنوج ومن ثم تطهير الأراضي الأمريكية منهم. كما أخذت المنظمة تشن حملة دعائية منذ أواخر العام الماضي على السود وتزعم أن ٩٠% من الجرائم في أمريكا يرتكبها السود، واتهمت المنظمة رجال الشرطة بأنهم لا يطاردون السود ولا يلاحقونهم، كما كانوا يطاردون اليهود في القرون الوسطى!
كما أن هذا الأمر لا يتوقف عند حدود المؤسسات أو المنظمات اليمينية المتطرفة، بل يمتد إلى العديد من قطاعات المجتمع الأمريكي، فعلى سبيل المثال، ورغم بلوغ رجال الشرطة من أصول أفريقية نحو ٤٠% من تعداد الشرطة الأمريكية، إلا أن الوضع لم يتغير بالنسبة للعلاقة بين السود بشكل عام وجهاز الشرطة، ومن ناحية الوظائف، فنسبة بطالة السود تقدر بثلاثة أضعاف البيض، ما يسوقنا إلى أن الشركات الأمريكية، مازالت تحدد تعييناتها باللون والعرق.

ثانياً: هذا التمييز ليس بجديد:

حديث الأرقام يقودنا إلى الإعتقاد بوجود إشكالية حقيقية في أمريكا ومنذ زمن بعيد. فقد اعترف تقرير صادر عن مكتب التحقيقات الاتحادية FBI عام ٢٠٠٩ بتزايد وقوع جرائم الكراهية في أمريكا، ووصل الرقم إلى ٥ آلاف جريمة، و٥٤٢ ضحية، وذكر التقرير أن هناك نسبة ٧٢.٦ في المائة من الجرائم التي ارتكبت بدافع الكراهية لعرق ما كانت ضد السود بالمجتمع.
التقرير نفسه يثبت وجود تفاوت كبير في الدخل بين السكان البيض والسود، ففي حين كان متوسط الدخل السنوي للأسر الأمريكية البيضاء يبلغ نحو ٤٩ ألف دولار، كان متوسط دخل الأسر الأمريكية من ذوي الأصول الإفريقية يبلغ نحو ٣٠ ألف دولار، وفي حين يبلغ عدد سكان أمريكا السود ١٣ في المائة من تعداد الأمريكيين فإن ١٢.٧ في المائة منهم يعيشون تحت خط الفقر.
أما على المستوى الفيدرالي فقد ذكرت صحيفة “يو اس ايه توداي” نقلاً عن إحصائيات حكومية أن شرطياً أبيض يقتل مواطناً أسود بمعدل مرتين أسبوعياً في أنحاء أمريكا، وفقا للأرقام المسجلة في الفترة من ٢٠٠٥ إلى ٢٠١٢ . وتبين الإحصائيات أن ١٨ في المائة من السود الذين قتلوا خلال هذه الفترة كانوا تحت ٢١ عاماً.
وهنا يمكن القول، أن كل ما يجري من انتهاكاتٍ على الصعيد الداخلي، يعود لسببين أساسيين. أولاً، غياب القوانيين التي ترعى حقوق السود في أمريكا. وثانياً، عدم محاكمة الأفراد الضالعين في جرائم التمييز وبالتحديد أفراد الشرطة. ولأن هذه الإنتهاكات ليست بجديدة، فيمكن الظن بأن هذه الأسباب مقصودة.
إذاً، هي أمريكا راعية السلام والمنادية بحقوق الإنسان. ليست إلا دولةً هشةً لا تعيش إلا على ضعف الآخرين. واللوم كل اللوم على اولئك الذين  يجدونها بلد الديمقراطية والإحترام والحريات. وهي التي لم تُبق مجالاً في حقوق الإنسان إلا وانتهكته، إن في الحروب أو في السلم. وفي ظل هذه الحقائق يبقى السؤال الأبرز: الى متى سيبقى البعض ينظر الى أمريكا بأنها راعية حقوق الإنسان وحامية الحريات؟
المصدر : الوقت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق