تقارير

الإرهاب وزراعة الجهل والإجرام – نور الدين الغيلوفي

“إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ..” قرآن كريم

1. سأفترض أنّ فيديو المذبحة الشهيرة هو فعلا منتج من سُوّق باسمهم، ولن أنشغل بالبحث في التفيسرات الأخرى التي لا أستبعدها، لأنني بكل بساطة لا أستبعد أن يكون بعض أدعياء الإسلام قد فعلوا تلك الجريمة باسم الدين الذي ينتسب إليه ما يربو على المليار ونصف المليار من سكان الأرض.. “وقد يفعل الجاهل بنفسه، وبدينه، ما لا يفعل العدوّ بعدوّه”.. على أنّني لن أتساءل كما تساءل الدكتور فتحي المسكيني في نصّ غضبيّ له بعنوان: داعش والغبراء أو نهاية الإسلام..؟ يومها بلغ الغضب بفيلسوفنا أن كتب: “هل ما يزال بيننا “نحن” من يفخر بالانتماء إلى أفق “الإسلام”؟ إلى “الله” الإسلامي ؟ و”محمد” الإسلامي؟ و”القرآن” الإسلامي؟ أم أنّه بعد أن “تداعشت” علينا الدنيا من كل حدب وصوب، لم يعد لدينا أيّ هامش للاعتذار عن خطر هويتنا على الإنسانية ؟ لماذا نشعر بخزي عميق غير مسبوق من كوننا ننتمي إلى هذه الإنسانية المخبولة بالتكبير؟ هل عرف أجدادنا مثل هذا الشعور بالندم على أنفسنا العميقة؟ وهذا العار الأعمى من ثقافة القتل العادي الموحش في عاديته التي تثوي تحت كلماتنا ـوصلواتنا دون أن نتفطن إلى ذلك منذ قرون؟ أم أنّنا نشهد أوّل استعمال تكنولوجي للقتل باسم الله أو باسم السلف الصالح؟
2. لن أدّعيَ الذي ادّعاه الفيلسوف من فطنتة النادرة إلى أنّ “ثقافة القتل العادي الموحش في عاديته تثوي تحت كلماتنا وصلواتنا منذ قرون”.. ولن أحمّل أمّة عمرها من عمر دينها الذي ظهر منذ خمسة عشر قرنا، لن أحمّلها فعلا أهوج تأتيه كائنات لا إنسانية استبدّ بها جهلها واستفحل بها عجزها وغابت مائزتها فراحت تحاكم الخلق وفق شريعة لا توجد في غير رؤوسها الفارغة وتستند إلى نصوص لا وجود لها في غير صحائفها الصفراء، فيكون من قبح هؤلاء ما يصيب الأمّة بأسرها في إسلامها ورحمانيتها.. ولعلّ من أخطاء الأمّة أنها غفلت عن أمراض استفحلت بها حتى كان هؤلاء المجرمون من أعراضها، يفعلون بها وبدينها وبرسالة سلامها ما لا يستطيعه أعداؤها…
3. لطالما انتقدنا إجرام الغربيين وهم يستبيحون دماء الشعوب ينكّلون بها ويفعلون الأفاعيل تحت ذرائع الحماية والانتداب وشعارات التحديث والتنوير.. ولطالما عتبنا على الدول الغربية صمتها على الإجرام الصهيوني وسكوتها عن استباحة الدم العربي من قبل عصابات الدولة العبرية في فلسطين المحتلّة.. ولكنّ أحدا لم يكن يتصوّر أن يُذبح البشر، يوما، باسم الإسلام وتحت عنوانه، بمثل تلك الطريقة الغريبة الموغلة في البشاعة والتوحّش واللّا إنسانية، من قبل مجرمين جهلة ينصّبون أنفسهم حكّاما على الخلق يستحلّون دماء العزّل الأبرياء كما لو أنّهم يجترحون بطولة نادرة، كأنهم لم يقرأوا قول الله تعالى “ولا تزر وازرة وزر أخرى”.. هذا إذا سلّمنا بادّعائهم أنّ الأمر ردّ فعل على جهة ما سبقت  بالاعتداء…
4. الإنسان واحد في كلّ مكان، أيّا كان عنوانه ومهما كان دينه وكيفما كانت نسبته ولونه.. كرّمه الله في أصل خلقته وفضّله على كثير ممّن خلق تفضيلا.. وحِفْظُ حقوقه وصيانتُها والدفاعُ عن حرماته واجب على كلّ ذي عقل وصاحب ضمير.. والتنكيل به إنّما هو اعتداء على خلق الله واعتراض على عدله وسرقة لأسمائه الحسنى التي لا صلة لها بالذبح من قريب ولا من بعيد.. ومن تعدّى على خلق الله فقد اعتدى على الله واعترض على حكمه وانتهك حرماته، وليس أكثر من الدم البشري حرمة ولا أشدّ منه قداسة عند خالقه.. سوّاه وأحسن خلقه ونفخ فيه من روحه وخلق لأجله كلّ شيء.. وَإنّ مَثَلَ من يقتل إنسانا بتلك البشاعة كمثل الذي يعترض على الله في خلقه وينازعه فعلَه، كذاك الذي قال لإبراهيم “أنا أحيي وأميت”، فكان بما قال وبما فعل متألّها يطلب منازلة الله في شأنه ومجاراته في فعله.. ولكنّ هؤلاء لا يقرأون، ومن فرط جهلهم ومن قبيح فعالهم تؤتى صورة الإسلام الذي يدّعون انتسابا إليه.. أليس الإسلام دعوة إلى الحياة؟.. فبأيّ معنى تقتل نفسا بشرية لتحقّق لك أربا سياسيا؟ ثمّ ما الفرق بين هؤلاء وبين الجلّادين في مخافر شرطة المستبدّين؟ وما الفرق بينهم وبين عصابات الاحتلال التي تتغذّى من دم المستضعفين؟
5. إنّ هؤلاء قتلة مجرمون وإن زعموا أنهم مسلمون.. فلا أحد قد وكّلهم ليكونوا مدافعين عن الله وعن الإسلام.. وأغلبهم أميون أو يكادون.. ولا معنى لأيّ نصّ ينتهبونه من التراث ليبرّروا به قبيح فعالهم ويزيّنوا شناعاتهم.. فهم لصوص في جميع الحالات.. لصوص نصوص ولصوص أرواح.. أفليس الإنسان نفخة من روح الله؟ وإذن فمن  يقتل إنسانا بمثل تلك الطريقة كمن يطفئ نور الله.. أليس هؤلاء قد جعلوا من أنفسهم حكّاما على الناس كما لو أنّهم باتوا وكلاء الله في خلقه يفعلون بهم ما يريدون؟..
6. أحرقوا المسلم ولم يراعوا حرمة دمه كما فعلوا بالطيار الأدرني معاذ الكساسبة الذي لئن جاءهم مهاجما فقد وقع في أيديهم أسيرا ولا شيء يبرر التنكيل بالأسير بمثل تلك الطريقة البشعة التي تغضب الرب قبل إثارة العبد.. فما الفرق بين هؤلاء وبين قائد الانقلاب العسكريّ عبد الفتاح السيسي ووزير داخليته محمّد إبراهيم وزمرته الذين أحرقوا المعتصمين في ميداني رابعة والنهضة؟.. إنه لا خير في وطن يقوم على حريق أبنائه ولا معنى لدين يدافَعُ عنه بالحرق والذبح والتنكيل والتمثيل…
7. وذبحوا أقباط المصريين ولم يراعوا حرمة لكتاب ولا قداسة لجوار.. قطعوا عليهم طريق الحياة فرمّلوا النساء ويتّموا الأبناء وأثكلوا الأمّهات ومزّقوا قلوب الآباء وقطعوا أواصر الأصدقاء وقهروا  الفقراء في جميع الأنحاء.. فهل تحتاج دولة الإسلام مثل ذلك الإجرام لتكون؟.. ولمن تراها تقوم إن سُفكت دماء الأبرياء دونها؟. أوَ تكون بمثل تلك الكائنات الشائهة وتقوم بمثل تلك الأفعال المشينة؟
8. إنّهم يحرقون ويذبحون من وراء اللثام جبنا وعجزا.. فهم عندما يحجبون وجوههم ويصوّرون الجريمة إنّما يتوارون خلف نصوص الإسلام يجعلونها دروعا لهم، فلا تُشوَّهُ غيرُ صورة الإسلام الذي يدّعون الدفاع عنه والعمل بشريعته.. فهل تلزم شريعة تبيح قتل الناس بمثل تلك البشاعة أحدا غير هؤلاء المرضى من مصّاصي الدماء والراقصين على جثث الأبرياء؟…
9. إنّها كائنات بلا وجوه وبلا أسماء.. تحكيهم صفاتهم التي تختزل القبح البدائي.. وقد جعلوا قابيل قدوة لهم “طَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ”.. وإنّ تلك الكائنات المتوحشة إذ تتوارى خلف أقنعتها إنما تبين عن أقدم مرض أصاب الإنسان يوم أن سوّلت له نفسه التطاول على الله بقتل خلقه والسخرية من نفخته والعبث بروحه تسري في الخلق منذ آدم… ولقد كان الغراب برهان قابيل عرف منه عجزه أن يكون مثله ويتعلّم منه كيف  يواري سوأة أخيه.. “فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”.. أمّا هؤلاء فلا يستطيعون الندم وقد عجزوا أن يكونوا.. فتواروا خلف القناع يجعلون منه برهانا لهم.. وبرهانهم قبح معصيتهم…
10. من أدرى هؤلاء الحمقى بأنّ أولئك الأقباط لن يكونوا أقرب إلى الله منهم؟ أليسوا، بما فعلوه بهم، قد أغلقوا أبواب الله دون خلق الله؟ ومن تُرى يجرؤ على غلق أبواب الله المفتوحة؟…
11. هل يعلم هؤلاء الحمقى ما يفعلون؟ هل يدركون عاقبة ما جنت أيديهم؟ لا شكّ أنّهم، وقد وثّقوا فعلتهم، قد علموا أن للصورة سطوة لا يكون للجريمة أثرها المطلوب دونها.. وما دام لديهم مثل تلك البراعات التصويرية والمهارات التعبيرية التي تجعل المشهد أشدَّ وقعا وأبلغَ قبحا، فلا شكّ أنّهم يدركون وقع ذلك على الرأي العام الإنساني الذي سينتهي إلى خلاصة مفادها أنّ دينا يبيح تلك البشاعة لا يمكن أن يكون طريقا إلى خلاص أحد.. وأنّ أتباعه، كلّ أتباعه، مرضى يحتاجون علاجا خارج مصحّاته…
12. وبعدُ، فإنّنا لا نحتاج أن نتبرّأ من”الله” الإسلامي ؟ ولا أن نهجوَ “محمد” الإسلامي؟ ولا أن نتحامل على “القرآن” الإسلامي لنؤكّد براءتنا من دم الأبرياء الذين يُقتلون على أيدي داعش وأخواتها.. فكلّ أولئك إنّما يختطفون الإسلام وشريعة الإسلام إلى كهوفهم المظلمة التي لا يدخلها عليهم غير من كان شبيها بهم، جهلًا وقبحا وجبنا وعِيًّا، وقد اطمأنّوا إلى كهوفهم تلك ونسجوا بها خرافات شريعتهم وتعاليم دولتهم بعد أن استفحلت أنظمة الاستبداد بالمنطقة فاستأثرت بكلّ شيء دون جميع المواطنين واستولت على الدنيا وأمّمت الدين تدخل إليه مطيعيها وتخرج منهم العصاةَ.. عُصاتَها.. أفليس الإرهابُ هو وريث الاستبداد في منطقتنا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق