تقارير

السعودية تملأ الفراغ و”حزب الله” يتحضر للمواجهة.. والثمن؟!

شكلت زيارة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الى العاصمة السعودية الرياض مدار تحليلات عدة، وصف بعضها أجواءها بالايجابية، فيما اعتبرها البعض بأنها اشارة الانطلاق لفتح المواجهة في الداخل اللبناني والدفع بالحريري الى رفع السقف في وجه حزب الله تحديدا.

وان كانت التغريدات التي تلتها اكدت على أن العنوان العريض للقاء هو “التسوية” والمحافظة عليها ضمانا لحفظ الاستقرار وحماية لمؤسسات الدولة، سيما على أبواب استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة .

في حقيقة الأمر أن المعلومات غير الواضحة التي رشحت عن هذه الزيارة المفاجئة لم تستطع تغريدات الحريري التي تناولتها اخفاء باطنها الحقيقي والتي تمثلت في طلب الحريري من القيادة السعودية منحه فرصة جديدة لإثبات أن الآتي سيكون أفضل- وفي ذلك الكرم السعودي غير مستغرب – حيث لم يستطع الحريري اخفاء فرحته في تغريدته التي قال فيها بأنه في كل مرة يلتقي فيها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تزيد “قناعته” بأنه والقيادة السعودية على وفاق كامل حول استقرار لبنان وعروبته، وبالتالي “لم تخيّب ظنه فيها” .

لا شك أن الرياض غير غافلة عن الفرص التي ضيعها الحريري مرات عدة، أقله منذ ترشيحه الوزير سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية ومن ثم تأييد ترشيح الرئيس ميشال عون وانتخابه، وجبل التنازلات الذي مازال يحتل المرتبة الاولى في التربع عليه بين معارضي الامس الآذاريين، والمملكة تدرك تماما ان من يتنازل مرة واحدة عن ثابتة من ثوابته فهو لن يقوى على التمسك بما تبقى له من ثوابت وان كان تحت عنوان “حفظ الاستقرار” لان حفظ الاستقرار لا يكون بتقزيم موقع رئاسة الحكومة بما تمثل، وتجيير صلاحياتها التي كرسها الطائف مما جعل الاباحة والقبول المستمر في بعض الملفات حقا مكتسبا بها للطرف المقابل وبغطاء شرعي. من هنا فان ما رشح من معلومات عن الزيارة لناحية كبح فرامل الحريري من الانزلاق في التطبيع مع سوريا ودفعه للعمل على رص الصف السني بشقيه الموالي والمعارض، والتعويل على الانتخابات النيابية المقبلة في قلب الموازين لصالح “الازرق”، ليس سوى بند صغير من بنود الاستراتيجية السعودية الجديدة للمرحلة المقبلة، خاصة وأنها تدرك أنها لن تضع مياهها في الغربال مجددا وتكتفي بوعود الحريري المكررة.

لذلك تأتي الدعوة السعودية المفاجئة للحريري بمثابة رسالة ليصل صداها خارج الحدود اللبنانية لتبلغ بموجبها أولياء الغطاء الدولي الحافظ لاستقرار لبنان بانها جزء أساسي من التسوية اللبنانية الحاصلة وان محورها ممثل في الحكومة. محاولة في آن ترميم الفراغ الذي أحدثه الحريري في صمته إزاء المس بموقع رئاسة الحكومة وصلاحياتها، ومنذرة في الوقت عينه من أن أي سلوك قد يودي الى اختلال في توازن التسوية. وربما دلالات ذلك ظهر في شكل الدعوة للزيارة وعدم صدور بيان رسمي مشترك حول مضمونها من منطلق كون الزيارة تتم من قبل رئيس حكومة لبنان وليس من قبل سعد الحريري بما يمثله في الحكومة من محور.

هذا المشهد ربما يقود الى توسيع بيكار النظر الى “حالة” رقعة الازمة الحقيقية القائمة بين محور ايران وحلفائها ومحور السعودية وحلفائها في المنطقة والتي تشبه الى حد بعيد شكل التسوية الحاصلة في لبنان والقائمة على سياسية شد الاعصاب وضبط النفس حيث “نيوب” الليث بارزة لا ندري فيما اذا كان “غاضب” أو “متبسم”. من هنا فانه بالرغم من رفع سقف المواجهة بين المحورين السعودي والايراني الى اقصى الدرجات الى انه لم يصل الى حد الانفجار الحقيقي حيث المواجهة المباشرة، والتي لا شك انها لا يمكن ان تحصل الا من البوابة الاميركية وبغض طرف روسي. وهذا يبدو أنه غير وارد في المدى المنظور طالما أن واشنطن لم تصل الى مرحلة تمزيق الاتفاق النووي وطالما لم تصل السعودية الى مرحلة تشغيل محركاتها الدبلوماسية باتجاه تفعيل قرار مجلس الامن رقم 1559.

من هنا فان التسوية التي يتمسك بها الاطراف في لبنان ليست سوى انعكاس للارادة الخارجية لاسيما المحورين السعودي والايراني، وبالتالي ان حصول اي خلل فيها ليس سوى مؤشر على فتح باب المواجهة المباشرة بين هذين المحورين، كما ان اي محاولة لبنانية داخلية باحداث اي خلل فيها قد يؤتي بنتائج لصالح اي من الفريقين في الحكومة الحالية من شأنه ان يطير الحكومة ويخل باستقرار البلد، من هنا جاءت رسالة وزير الدولة لشؤون الخليح العربي ثامر السبهان بموضوع “تطيير حزب الله وليس الحكومة” كرد على مواقف وسلوك حزب الله والتي كان آخرها ما جاء على لسان احد قيادي الحزب لاحدى الصحف بقوله ان ” القول بتطيير حزب الله من البلد والحكومة يعني ان الحكومة ستطير ومعها البلد وهذا الامر لا يمكن لاحد تحمل نتائجه وعواقبه” آخذين بذلك من الحكومة كدرع شرعي واقي من الرصاص الخارجي.

أمام هذا الواقع يبدو ان مصير الانتخابات النيابية المقرر حصولها في ايار 2018 العام على المحك سيما في حال تكونت معطيات سابقة لحصولها بامكانية ان تحمل نتائجها اختلالا في التوازن بين حلفاء المحورين الامر الذي قد يدفع بعض الاطراف الى الدفع نحو تأجيلها تحت طائلة سقوط التسوية بكافة وجوهها.

(ميرفت ملحم – محام بالاستئناف)

المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق