تقارير

القوات العربية المشتركة، ما زاد حنون في الاسلام خردلة ! – علاء الرضائي

منذ مجئ الملك السعودي الجديد الى السلطة والسعودية تشهد مخاضاً على الصعيدين الداخلي والخارجي، وان كان الاخير في بداياته، مخاض ترافق من تغييرات ميدانية وسياسية عديدة بعضها في المنظومة التي تنتمي اليها السعودية وأخرى في منظومة الآخر.

داخلياً، عكست التغييرات من تعيينات واطاحات رغبة القيادة السعودية الجديدة بانهاء “خدمات” الملك السابق ورجال حكمه بأسرع ما يمكن، لكن المتابع بدقة لما يجري، سيجد ان هذه التغييرات لم ترق الى مستوى التحولات الاستراتيجية، بل مجرد تكتيك يرجح اتجاهاً ورؤية بين الاتجاهات المتصارعة في الاسرة الحاكمة السعودية منذ سبعينيات القرن الماضي على الاقل: المحافظون والليبراليون، المتشددون والأقل تشدداً، التقليديون والاصلاحيون، في دوائر تضييع فيها هوامش المناورة الى درجة الجدل حول لون العباءة التي تباع في الأسواق ومقدار فتحة النقاب التي تكشف عن العينين فقط!

هذا الواقع يحكم السياسة الخارجية ايضاً والمحكومة بدورها أكثر من السياسة الداخلية، بأسس وثوابت وشرنقات لايمكن لأي ملك او أمير الخروج عنها، بالضبط مثل مبدأ (الدين ـ السيف) الذي يحكم معادلة السلطة في الداخل، ومن هذا الواقع وهذه الثوابت الخارجية يمكن الاشارة الى:
1.  مطلق الارتماء والارتهان للغرب وأميركا على وجه التحديد.. بغض النظر عن سياسة هذا الغرب: تحرير الكويت او غزو العراق، اجتياح لبنان او اجتياح غزة.. ضرب سوريا المقاومة اوعدم دعم مبارك الحليف القديم!

2.  الاصرار على التسوية مع الكيان الصهيوني ورفض أية مقاومة تجاهه، من فتح كانت او حماس، من داخل الارض المحتلة او من خارجها، وتطويع جميع الخيارات بأتجاه ذلك.

3.  التأثير في القرار العربي و اخراجه من تأثيرات الدول المستقلة وفرض الرؤى الخليجية عليه بالمال وبالسياسات الغربية التي تقود الى هذا الاتجاه.

4.  معارضة الاسلام السياسي، أي كان نوعه معتدل او متشدد ولاي مذهب ينتمي سنياً كان أم شيعياً، لانه يشكل خطراً على النموذج السعودي الذي يعتبر نوعاً من الاسلام السياسي (الدين ـ القبلية) ويسحب البساط من تحت قدميه.

5.  الاعتماد على التبشير الوهابي بشقيه التقليدي والصحوي في مواجهة “اعداء” المملكة وخاصة الحالة الاسلامية التي ظهرت بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران.

6.  زعامة المنظومة الخليجية، حتى لو لم يبق مع السعودية سوى حكومة البحرين!
7. مناهضة أي حركة تحرر وطني أو عالمي في المنطقة والعالم علمانية كانت او دينية، لانها تصطدم بالسياسة العامة للغرب.

8.  التعاون الأمني والعسكري مع الناتو بأعتبارها جزءاً منه في مواجهة النفوذ الروسي والايراني والصيني.

بهذا الواقع ومن هذا المدخل، لا أرى ان الزيارات المكثفة لقيادات بعض البلدان في المنطقة الى السعودية ستفضي الى استراتيجية جديدة، نعم قد يكون هناك تكتيك وتوزيع ادوار ومهمات  أوتقريب وجهات نظر وتبادل مصالح آنية وجزئية، لكنه لا يرقى الى مستوى الاستراتيجية، لأن هذه البلدان أو معظمها لاتمتلك استراتيجية مستقلة وذاتية قائمة على مصالحها ووفق رؤيتها للمنطقة والأمور، بل رؤيتها وسياساتها مؤطرة بالنظارة الأميركية والغربية على وجه العموم، وبالطبع يستحق ذلك الوقوف عنده ودراسته.
ومن هنا لن تؤثر، لا القوات العربية التي يتحدث عنها الرئيس المصري، ولا التقارب القطري ـ المصري الذي يسعى اليه ملك السعودية، ولا جر تركيا وابعادها عن الاجندات الحزبية، في تغيير موازين القوى بالمنطقة.. فما الذي ستضيفه بضعة آلاف من القوات هي موجودة بالأساس وتعمل منذ ثلاثة عقود على الاقل ضمن الاستراتيجية الأميركية وكجزء غير معلن من حلف الناتو(منذ الحرب العدوانية على الجمهورية الاسلامية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي)..؟

حتى الحديث عن شرعنة التدخل في بعض المناطق، مثل: سوريا وليبيا أو اليمن والعراق، لا أعتقد أنه يعتبر اضافة جديدة، لأن التدخل يشرعن متى ما رأت الولايات المتحدة ذلك حاجة لسياساتها، والامثلة على ذلك كثيرة، من الكويت والصومال الى افغانستان والعراق..
أجل، عندما أقول انه لايشكل اضافة، فلأنه يعبر عن السياسة الأميركية القائمة بلسان عربي مبين!
أميركا تقول ان دول المنطقة هي المعنية بالمواجهة البرية مع “داعش” بجيوشها وعديدها ولايمكن أن يراق دم أميركي في هذه المواجهة.. هنا تظهر الحاجة الى مسرحيات وتهويلات اعلامية وخلق بطولات واهية لزعامات لم تسمع منذ عقود صراخ حرائر فلسطين التي شاركت الانظمة العربية باغتصابها ـ وفي ذلك لايختلف العقال والمجانين ـ وكأن هذه الزعامات من مواليد 11 سبتمبر 2001!

فكانت مسرحية الكساسبة وذبح الاقباط المصريين والتي شاركت فيها الوهابية بفكرها وهوليوود الامريكية بتقنياتها وسواحل بعض الجزر وان كنت لا أصدق رواية وكالة الفضاء الروسية الى الآن.. وليغلي “الدم” العربي في عروق القادة “العرب” ويعلنوا النفير بتدريب المعارضة السورية في تركيا وبخبرات السي اي ايه!

طبعا واضح ان هذه القوات ستنتهي الى امرين: أما ان تفشل مهمتها في دحر الارهاب ـ كما يدعون ـ وتنتهي هذه الصرعة، أو تنجح وهوالمتوقع.. لكن ماذا بعد ذلك؟
هل يراد منها موازنة القوة الأقليمية الايرانية؟ كما تحدث الرئيس المصري الجنرال السيسي في حديثه الى الشرق الأوسط السعودية.. فاذا كانت هذه القوة تستند الى ارادة قومية مستقلة، رغم ان فاقد الشئ لا يعطيه، فمن المستبعد أن تتركها أميركا والغرب والصهيونية، كما فعلوا مع الجمهورية الاسلامية من حصار وحظر امتد لأكثر من ثلاثة عقود.. أما اذا كانت غير مستقلة وضمن الاستراتيجية الغربية وهي كذلك، فهوضرب من العبث، لأنها تفتقد لأية اضافة.. فهذه القوات مجتمعة لا تمثل قوة اسطول أميركي متواجد في المنطقة منذ 30 سنة تقريباً، أي منذ أن دعت الكويت الاساطيل الغربية لحماية ناقلاتها خلال ما عرف بحرب الناقلات التي بدأها المقبور صدام حسين، لأن “التقليد لا يكون كما هوالاصل”!

وبغض النظر عن أهداف كل من تركيا والأردن ومصر في المشاركة بهذا المشروع، من سعي تركيا الى الخروج من عزلتها بعد فشل مراهناتها في مصر وسوريا وتونس والعراق وتحسين اقتصادها الذي بدأت مشاكله تظهر مؤخراً، ومحاولة الأردن ومصر الاستحواذ اكثر على محفظة المال الخليجية التي تعتبر أحد موارد دخلهما الأساسية.. فهوالصرعة السعودية الأماراتية الأخيرة لمواجهة تداعيات الاتفاق النووي الايراني ـ الأميركي والذي بات وشيكاً حسب بعض التقديرات، او النتائج المترتبة على انهياره، والتي يدرك الخليجيون وخاصة السعوديون أنهم أول ضحاياها في الحالة الثانية، للدور السلبي الذي لعبوه مع الكيان الصهيوني في خلخلته وعرقلة مساره.. وقد باتت السعودية مسيجة بسياساتها الخاطئة والحاقدة من جميع الجهات.
والنصيحة التي أقدمها لجيراننا وأخوتنا في الدين ونظرائنا في الخلق، هي: ما يمكنكم فعله وانجازه من خلال التقارب والتفاهم يستحيل عليكم فعله بالمال والسلاح والفتوى والاصرار على العداوة والبغضاء.. فستغلوا الفرص لأنها تمر كالسحاب!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق