تقارير

الميس يقرأ التحولات ومراد «زي ما هوّي»: فراس الشوفي

يقتنص الوزير عبد الرحيم مراد الفرص المناسبة في الوقت المناسب، وها هو يزور ويستقبل الشيخ خليل الميس والجماعة الإسلامية. وفيما يزداد نواب تيار المستقبل في البقاع الغربي تقاعساً، يشكّل تقارب مراد ـ المفتي بالنسبة إلى هؤلاء مادة وفيرة لخطاب مات منذ زمن.
لم يكن مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس موضع «شكٍّ واتهام» عندما أطرب الرئيس أمين الجميّل قبل عام، في أزهر البقاع، بغزلٍ من العيار الثقيل: «فيك اسمان من صفات الرسول، الأمين والبشير». لكن أن يستقبل ويزور الميس، قبل أسبوعين، الوزير السابق عبد الرحيم مراد، فذلك «خروج عن الثوابت»، وربّما معصية!
لا شيء جديداً في سلوك تيّار المستقبل إزاء علاقة الميس ـــ مراد المستجدّة، إذا ما قورنت ردود الفعل بسلوك «تيار الأزرق» منذ ما بعد زلزال 2005، تحديداً في البقاع الغربي. وإن كان سلوك بعض مشايخ السلفية في البقاع منتظراً لناحية التشويش على الزيارة، وحتى «تخوين » المفتي، فكيف يمكن أن يفسّر النائبان جمال الجرّاح وزياد القادري انحصار نشاطهما في التحريض على المفتي فقط، بينما يتركان ناخبي «زي ما هيّي» في البقاع الغربي على أبواب الوزير وائل أبو فاعور.
لم يدخل الميس إلى «محور المقاومة» حين وقّع مع مراد اتفاقية بين مؤسسات دار الإفتاء التربوية في البقاع ومؤسسات «الغد الأفضل» والجامعة اللبنانية الدولية، وغيرها من مؤسسات «أبو حسين». ولم يدخل مراد إلى المحور المعادي لحزب الله أو سوريا إن ساهم في تقديم المنح وتدريب الكادر التعليمي لدار الإفتاء.
لكنها معادلة بسيطة أمام المفتي الذي، على ما ظهر في الآونة الأخيرة، يفكّر جدياً في مصلحة «رعيته»: مؤسسات عبد الرحيم مراد تزداد قوة وانتشاراً وتوسّعاً كل عام، والرجل لا يعزّ حتى عن خصومه المباشرين في السياسة المنح ولا المساعدات المدرسية، بينما تعيش «جامعة الرئيس رفيق الحريري» (على سبيل المثال لا الحصر) في جب جنين آخر أيامها، وهي أبلغت قبل أقل من أسبوعين موظفيها وطاقمها التعليمي أنها ستقفل أبوابها نهاية العام حتى إشعار آخر. فهل يلام المفتي؟
من المؤكّد أن انفتاح الميس على مراد لا ينحصر في إطار التعاون التربوي وحده. وإن كان بيان دار الإفتاء الذي صدر ردّاً على انتقادات اللقاء، ومنها بيان «تجمّع القوى والحركات الإسلامية في البقاع»، قد أصرّ على أن التقارب تربويٌّ فحسب.
في المرحلة الماضية، كاد المستقبليون كيدهم لتحريض الشارع السنّي على كلّ من لم يلتحق بركب «ثورة الأرز». وفي انتخابات 2005 و 2009، إلى جانب التحريض المذهبي والطائفي، خاض المستقبل معاركه الانتخابية في ظلّ خطاب أن من يصوّت لعبد الرحيم مراد والنائبين السابقين أسامة سعد وجهاد الصمد يقتل رفيق الحريري مجدداً!
أما اليوم، فلا يمكن أن يكون الوزيران أشرف ريفي نهاد المشنوق في حكومة واحدة مع وزراء حزب الله، وفي تنسيق أمني بين الجانبين، وأن يكون الميس، أو دار الإفتاء، على خصومة مع أي طرفٍ «سنّي»، بحجة علاقته بحزب الله .
المفارقة أن هذا لم يعد همساً داخل «البيت السنّي» في البقاع الغربي تحديداً، الذي نجا، حتى الآن، من آثار النكبة السورية، وارتداداتها على لبنان. بين المشايخ من يقرأ التحوّلات جيداً، ويستخلص منها أن «ترتيب البيت السنّي»، على الأقل بقاعاً، ضرورة لمواجهة المرحلة المقبلة، على ما تقول مصادر الميس. أكثر من ذلك، لم يكن الكلام الذي لمّح إليه الميس خلال لقائه مراد، وما يقوله أخيراً في لقاءاته البقاعية، سوى دليل على ذلك، إذ لا ينفكّ المفتي يحذّر من «الخطر التكفيري»، ويصرّ على السير في ركب شعار «مكافحة الإرهاب» الذي تؤكّد عليه في العلن السعودية، وحليفها في لبنان تيار المستقبل.
على ضفّة مراد، تبدي مصادر الوزير السابق ارتياحها البالغ لـ«العلاقة التي لم تنقطع يوماً مع سماحة المفتي، وقد اتفقنا على ضرورة أن يسود الهدوء والاستقرار البقاع».
وتبرّر المصادر «الهلع المستقبلي وتحريض بعض المتشددّين على لقاءاتنا الأخيرة» بالتأكيد على أن «وضعنا في الشارع السنّي منذ انتخابات 2009 أفضل بكثير مما كان عليه سابقاً، وهذا تؤكّده استطلاعات الرأي الدورية. لقد صمدنا كلّ هذا الوقت، وفي عزّ الأزمات السابقة بقيت المؤسسات مشرّعة للجميع، فكيف الآن؟ كذلك فإن دار الإفتاء في البقاع مرجعيتنا».
على خطى المفتي، سارت الجماعة الإسلامية في البقاع الغربي، إذ لم يكتف الوفد القيادي الذي زار مراد بعد أيام من زيارة المفتي بالتبرؤ من بيان «تجمّع القوى والحركات الإسلامية»، بل اتفق أيضاً مع مراد على «استقرار البقاع». ولا يخرج سياق زيارة الجماعة لمراد، الذي لا يختلف معها حول الأزمة السورية فحسب، بل حول الأزمة المصرية أيضاً بتأييده الفريق المناهض للإخوان المسلمين، عن العلاقة المتوترة بينها وبين المستقبل.
وفي مقابل انفتاح المفتي والجماعة على مراد، تتقاطع مجموعة من المشايخ المعروفين بميولهم المتشدّدة مع المستقبل، وتقف بالمرصاد لهذا التقارب، عبر إطلاق الاتهامات بحقّ المفتي. ومن ضمن هؤلاء صهر المفتي، الشيخ طالب جمعة، والشيخ رمزي ديشون (مسلمون بلا حدود)، والشيخ أحمد اللدن، والشيخ عدنان إمامة.
في بال الميس سلسلة من المشاريع التربوية للمرحلة المقبلة، وفي بال مراد أيضاً. وعندها، لن ينفع صراخ تيار المستقبل ومن معه، فمن يرد أن يبيع ويشتري، عليه أن يحضر في السوق!

المصدر: جريدة الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق