تقارير

تغيرات المجتمع السعودي وممانعة الوعاظ!

كتب حسن مصطفى :
“إلى متى والمجتمع يزحف نحو الباطل، ونحن نتفرج؟”
استفهامٌ استنكاريٌ طرحه الشيخ حسن الخويلدي، في محاضرة بعنوان “العفة مسؤولية اجتماعية”، قدمها في “الحسينية المهدية” في مدينة صفوى، شرق السعودية، خلال إحدى المناسبات، ونشرت  في منصة “يوتيوب”،الشهر الجاري.
الخويلدي الذي يعدُ واحداً من الخطباء الحسينيين البارزين، والوعاظ الذين لهم حضور شعبي، وتحديداً في أوساط “التيار الشيرازي” في المنطقة الشرقية، يمثلُ خطابه نموذجاً للممانعة التي تمارسها مجموعة من الوعاظ تجاه التغيرات الاجتماعية – الثقافية التي تعيشها محافظة القطيف، والمجتمع السعودي عموماً، وهي تحولات نحو المدنية، والتخفف من سطوة رجال الدين، الذين يريدون أن تكون لهم الكلمة العليا!
الخويلدي، تستمع الى منبره شريحة من الجمهور الذي يعجبه صوته أثناء قراءة مراثي آل بيت النبي محمد، وينصتون الى سرده القصصي والتأريخي، إلا أنه على المستوى العلمي والفقهي يعتبر محدود الإمكانات، فتحصيله الحوزوي لا يرتقي الى نظرائه من علماء دين سعوديين آخرين، قضوا زمناً طويلاً في دراسة “السطوح العُليا” و”البحث الخارج”.
إذن، ما يعتمد عليه حسن الخويلدي، هو عاطفة المستمعين، وارتباطهم بـ”منبر الإمام الحسين”، الذي عبرهُ يوجه خطابه “المنغلق” والرافض للتعددية، والمكرس للرأي الواحد الذي يعتبره صواباً لا يدانيه الباطل.
هذه الممانعة للتغيرات الكبرى في السعودية، تجدها لدى المتشددين من “الوعاظ” من مختلف المدارس والمذاهب الفقهية والعقدية، لأنهم لا يرونها جزءاً من حق الفرد في الحياة والاختيار الحر، بل ينظرون لها بوصفها “انحرافاً”، وهي النظرة القيمية – السلبية، التي تزدري المختلف ولا ترى أن له أي حق في أن يكون إنساناً يحدد خياراته بنفسه.
الخويلدي يذهب أبعد في نظرته الى مسألة “الصواب” و”الخطأ”، بل يتساءل في المحاضرة المشار إليها أعلاه، قائلا: “لماذا هذا المنحرف أضحك في وجهه”. أي أنه يريد أن تواجه الحرية الفردية والمجتمعية بالتجهم والازدراء، ومقاطعة من ينتهجون أسلوب حياة يعتقد أنه غير صحيح.
“بدأت المنكرات تنتشر في مجتمعنا ونحن نتفرج، منكرات واضحة وصريحة”، يقول الخويلدي، مضيفاً: “عندنا في صفوى، كم مقهى صاير الآن، سفور واختلاط الشباب بالشابات.. في تحدٍ صارخ لعفة المجتمع وطهارته وعرفه.. وأحيانا على السناب شات تطلع الفتاة فُل ميك أب، وإلى جنبها أخوها وتفتخر أو إلى جنبها أبوها وتفتخر”.
مشكلة الخويلدي وأمثاله من “الوعاظ” أنه يريد أن يُطبق على المجتمع رؤيته الشرعية، ويمنعه من ممارسة اختلافه معه. فكل أسرة لها طريقتها الخاصة في تربية الأبناء والعلاقة معهم.
الخطباءُ المتشددون، عليهم أن يدركوا أن المجتمع السعودي يسير نحو المدنية والتعددية وتكريس حقوق الإنسان، وتحديداً “الفردانية”، وأن الجيل الجديد من الفتيات والشباب يرفض الوصايات الأبوية، دينية كانت أو سواها، ولا يمكنه أن يقتنع بخطابات عاطفية، تعتمد على سرديات قديمة، تجاوزها الزمن.
السلطة الآن، هي “سلطة العقل” المستندة الى الحوار والإقناع والمعلومة والتحليل. وأيضاً، “سلطة القانون”، القائم على قيمٍ أساسية كـ: المساواة، التعددية، العدالة، المواطنة. هذه القيم الإنسانية العامة، لا يمكن تقييدها برؤية فقهية أو شرعية. حتى أن علماء معاصربن مثل مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وعبد الكريم سروش؛ يؤمنون بأن أفضل فضاء يمارس فيه المؤمن إيمانه، هو الفضاء الحر. كما أن لديهم رؤيتهم الخاصة المبنية على البحث والتحليل لمفهوم “الدين” وتطور معانيه، وكيف أن لكل عصرٍ وجغرافيا وظرفٍ تأثيره في “النص الديني” وإحالاته، وضرورة أن تكون الأديان في خدمة الإنسان وسلامه وتنميته وأمنه وتطوره، لا العكس! أي أن “الدين” وفهمه ليسا أمراً مقصوراً على رأي الخويلدي، بل إن الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق؛ كما أن هنالك “صُرُطاً مستقيمة” عدة، كما يرى سروش، وليس مجردَ صراطٍ واحد!
من يزور محافظة القطيف، سيجد المساجد والحسينيات، يذهب لها المواطنون بشكل طبيعي. وفي الوقت ذاته، هنالك المقاهي الراقية، والمطاعم الحديثة، وصالات الرياضة، وبوتيكات التجميل، والشاطئ البحري.. أي أن الخيارات صارت أوسع أمام الناس، وكل فردٍ يذهب إلى المكان الذي يناسبه من دون أن يفرض أحد على الآخر شيئاً لا يريده. بل كثيرون يذهبون إلى هذه الأماكن بأجمعها، من دون أن يشعروا بأي تناقض في سلوكهم.
من هنا، فإن تشدق الشيخ حسن الخويلدي بأن ما يحدث من حريات اجتماعية صرفة هو “منكر”، هي رؤية ماضوية، لا تتناسب ومفهوم “المدنية”.
الخويلدي، ومن يؤمن بمنهاجه، له حرية الاعتقاد بما يريد، وله حرية ممارسة الحياة التي يرغب فيها، من دون أن يمنعه أحد من ذلك، أو يمارس عليه أي إكراهات. إنما ليس من حقه أن يُحرض على المختلف معه، أو أن يدعو إلى عودة “دوريات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، حينما قال صراحة:” ينبغي أيها الإخوة أن يكون لنا موقف مشرف، أن ننهى عن المنكر. لا بد أن البعض منا يروح لأصحاب هذه المحلات”، مطالباً بأن يكون “النهي عن المنكر ميدانياً”، ومقترحاً على أصحاب المحلات أن يضعوا على واجهاتها عبارة “لا يسمح بدخول أي إنسانة غير متحجبة”!
هنالك مسار “قانوني” غاب عن الواعظ الخويلدي، وهو أن “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بالمعنى والطريقة التي تحدث حولها، ليس بالأمر المناط بآحاد الناس أو حتى برهطٍ منهم، وإنما مسؤولية “الدولة الوطنية” وحدها، وهي من تقرره وتحدد ضوابطه، وتضع له القوانين الناظمة له، وإلا تحول المجتمع إلى فوضى، ومارس المتشددون القمع والإقصاء تحت ذريعة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.
الخويلدي ليس الأول، ولن يكون الأخير، من الوعاظ السعوديين، الذين لم يستوعبوا طبيعة المتغيرات والتطورات الإصلاحية الواسعة في المملكة، لأنهم للأسف يقفون على “هامشها”، وغير منخرطين فيها. فهم يرون أن تحييد “الوعاظ” عن الواجهة، معناه تقليل نفوذهم الاجتماعي والاقتصادي والديني، ما سيفقدهم الكثير من المنافع التي يريدون أن يبقوا رافلين فيها، ويجعل “سلطتهم الرمزية” محدودة، ولذا سيستمرون في الدعوة إلى “العنف الرمزي”، ساعين الى الإبقاء على حضور ولو محدود لأفكارهم. أفكارٌ تخطتها شرائح واسعة من الجيل الجديد، في سعيه نحو البناء والتنمية والانفتاح على مختلف الأفكار. جيل هو الرافعة الحقيقية لـ”رؤية المملكة 2030” ورأسمالها الفعلي، والذي يريد تجاوز الماضي بإرثه الثقيل، والتخفف من خلافاته المذهبية والفقهية والعنصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق