تقارير

حب المتشيّعين الممنوع في الأردن

كتبت بديعة الصوان : يُعدّ ملف الشيعة في الأردن، من أكثر الملفات الجدلية والساخنة على الصعيدين المجتمعي والأمني، إذ يشكل قلقاً وهواجس رسميةً ذات أبعاد سياسية من أن يكون خلفه طريق لدخول النفوذ الإيراني إلى المملكة، في وقت تتوسع فيه الأذرع الإيرانية في المنطقة، وهذه عوامل شكلت جملةً من التحديات أمام أبناء هذه الطائفة في الأردن، والمتمثلة في الرفض والوصمة المجتمعية والملاحقات الأمنية والمنع الرسمي للزيارات الدينية، إلا أنهم ما زالوا متمسكين بفكرة أن انتماءهم الشيعي انتماء ديني لا سياسي.

لا توجد أرقام وإحصائيات رسمية لأعداد الشيعة في الأردن، إلا أن المصادر التي قابلها رصيف22، أكدت وجودهم بالآلاف، أفراداً وعائلات، وأغلبهم نزحوا من جنوب لبنان عام 1948، إلى الأردن ويقطنون في محافظات وقرى أردنية عدة، منها الرمثا وإربد، ويندمجون في المجتمع ولا يعلنون عن تشيّعهم بشكل رسمي.

تعرفت إلى شاب خلال الفترة الجامعية، حبّينا بعض وكنا مخططين للزواج وبيوم قررت أصارحه بحقيقة تشيّعي. لما عرف رفضني تماماً

الحب الممنوع

“تعرفت إلى شاب خلال الفترة الجامعية، حبّينا بعض وكنا مخططين للزواج وبيوم قررت أصارحه بحقيقة تشيّعي ليكون على علم ببداية العلاقة. لما عرف رفضني تماماً، وقرر الابتعاد وإنهاء العلاقة، وتركني لأني شيعية. شعرت بخيبة أمل كبيرة وقتها، وبعد هاي التجربة ما عشت أي قصة حب أو ارتباط ولا بفكر. بخاف من الرفض وبعرف أنه ما حدا رح يتقبل الفكرة”؛ بهذه العبارة بدأت روان، وهي فتاة أردنية، حديثها إلى رصيف22، عن التحديات التي واجهتها بعد التشيع.

أما علي، وهو مستبصر (مصطلح يُطلق على من تحول من المذهب السنّي إلى المذهب الشيعي)، وكاتب أردني، فيروي لرصيف22، عن الضغوط التي تعرض لها بعد تشيّعه، ويقول: “هجرتي كانت لأسباب دينية بحتة. ألّفت بعض الكتب وكنت أعلم أنها إذا طُبعت في الأردن سيؤثر الأمر على حياتي وعملي وسأتعرض لمضايقات مجتمعية وأمنية، وبالفعل بعض كتبي التي طُبعت تمت مصادرتها ومُنعت في الأردن، وفي بعض الدول العربية كانت تُشترى وتُحرق، بالرغم من ذلك ما زلت أؤمن بأن الفكر لا يواجَه إلا بالفكر”.

ويضيف: “تعرضت للكثير من المشكلات؛ حينما حاولت تجديد جواز سفري وأنا في سوريا، تم منعي من ذلك إلا أنني دخلت إلى الأردن عن طريق واسطة، وعند دخولي مباشرةً تم استدعائي والتحقيق معي لثلاثة أيام، واستطعت في وقت لاحق الحصول على جواز جديد. مكثت شهراً في الأردن وقررت أن أغادر من دون عودة، لكن تم إيقافي على الحدود حينها. أعلم أنهم لا يريدونني أن أكون خارج الأردن لكيلا أؤثر على الشباب”.

لا يختلف الأمر كثيراً عن قصيّ (اسم مستعار)، مستبصر أيضاً، إذ يقول لرصيف22: “تعرضت لمضايقات من الجهات الأمنية، وتم استجوابي ومناقشتي أكثر من مرة، وأخيراً اضطررت إلى السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بعدها إلى المملكة المتحدة، لاستكمال حياتي بشكل طبيعي، وهو ما يفعله الكثير من الشباب الشيعة في الأردن، إذ يفضلون العيش في الخارج بحثاً عن الحرية والأمان والحق في التعبير عن انتمائهم الديني. في الخارج أستطيع أن أمارس طقوسي الدينية بصورة أسهل ومن دون ملاحقات أمنية”.

وصمة ورفض مجتمعي

“أعيش حياتي بازدواجية. لا أحد يتقبل أنني شيعي سوى عائلتي، ولا يمكنني الإعلان عن انتمائي الديني، لذا لا أشعر بالأمان سوى في منزلي، وخارج حدوده أنا شخص آخر لا يمثّلني”؛ يقول المهندس أحمد طه، أحد أبناء الطائفة الشيعية في الأردن في حديثه إلى رصيف22.

أحمد طه، ينتمي إلى عائلة استبصرت في سبعينيات العقد الماضي، وتعتقد بالمذهب الاثني عشري، أبرز المذاهب الشيعية، إذ يؤمنون بالإمامة بعد النبوة. يقول طه: “واجهت في حياتي الجامعية مشكلات تتمثل في تهديدات وملاحقات من زملائي، وفي إحدى المرات تم الاعتداء عليّ وضربي، واضطررت في نهاية الأمر إلى الإعلان عن التخلي عن أفكاري عبر فيسبوك والتراجع عن خطوة إشهار انتقالي إلى المذهب الشيعي خوفاً على عائلتي ومستقبلي”.

ويضيف: “لم أتمكن من الزواج في الأردن. من عاداتنا أن يُسأل عن الزوج، وتالياً كان من السهل معرفة أنني شيعي، وبناءً عليه تم رفضي أكثر من مرة، واضطررت إلى الخروج من الأردن والزواج في الخارج. أما اليوم فأنا أشعر بالخوف وأخشى على أبنائي في المستقبل. خوفي يتجسد في رفض المجتمع لهم، وعدم قبولهم وإقصائهم، كون أهلهم شيعة”.

أما تجربة قصي، فكانت مختلفةً، إذ لم تتقبل عائلته الأمر. يقول: “كنت سنّياً، ومن خلال قراءتي لكتب تاريخية عدة، بدأت تتوسع معرفتي بهذا المذهب، وبعد فترة اتخذت قرار التحول واعتناق المذهب الشيعي وبالتحديد المذهب الاثني عشري، ولم تتقبل عائلتي الموضوع. كانوا وما زالوا يرفضونني وبعض أفراد عائلتي قاموا بمقاطعتي”.

صور نمطية تلاحق المتشيّعين

يرى طه، أن اعتقاد البعض بارتباط المذهب الشيعي بإيران فكرة نمطية تضيّق من وجودنا. نحن لا نتخذ من التشيّع سوى الجانب الديني، التنوع لا يشكل خطراً ولا تعنينا السياسة، ولا نسعى إلى أن تزداد أعداد الشيعة في الأردن”. ويضيف: “تعرضت للتهديدات بسبب منشور على فيسبوك، حكيت فيه عن التقارب الديني بين الطوائف من وجهة نظري، وأنا مضطر اليوم إلى البقاء خارج الأردن خوفاً على حياتي وعلى عائلتي”.

 

أما علي، فيقول: “المجتمع الأردني يرى أننا طائفة أخرى ولسنا بمسلمين، وهناك من يرى أننا نقول في صَلاتنا خان الأمين، أو أن الشيعي يرى الصحابي علي إلهاً، وهذه خرافات لا صحة لها إذ نرى أنه تلميذ من تلاميذ رسول الله، ويقولون إننا أهل تقية، وهو أن يقول الإنسان بلسانه خلاف ما في قلبه، لاتّقاء مكروه قد يقع فيه، وهذا الأمر مبحوث في الفقه الإسلامي السنّي، ويقولون إننا نجمع بين الصلوات، وهذا أمر جائز ما من خلاف ديني عليه”.

ويضيف: “تمنع السلطات الشيعة من ممارسة شعائرهم الدينية، بالرغم من أنه حق مشروع وأساسي في كل التشريعات الإنسانية، نحن نشهد شهادتين ونصوم ونصلّي ونؤمن بالميعاد، ونختلف عن أهل السنّة كاختلاف أهل السنّة عن بعضهم البعض فقهياً، إلا أن الشيعة الإمامية تفردت في موضوع الإمامة ونظرتها الخاصة إلى الصحابة وفق اجتهادات فقهائها”.

“لا يُسمح لنا ببناء المسجد أو ببناء الحسينية وهو المكان الذي نجتمع فيه لغاية التثقيف الديني وإحياء مناسبات أهل البيت، مثل أيام ولادة الأئمة، ووفاة النبي ومولده، وإحياء مناسبات أهل البيت، ولا يُسمح لنا باستئجار قاعة لإحياء أمر ديني. في إحدى المرات، اجتمع بعضهم في منزل لقراءة دعاء كميل، الذي يُقرأ كل جمعة وهو مضمون توحيدي خالص، فقام شخص بالشكوى عليهم وتم منعهم من هذه الممارسة”.

أعيش حياتي بازدواجية. لا أحد يتقبل أنني شيعي سوى عائلتي، ولا يمكنني الإعلان عن انتمائي الديني، لذا لا أشعر بالأمان سوى في منزلي، وخارج حدوده أنا شخص آخر لا يمثّلني

الهواجس الأردنية من التشيّع السياسي

الباحث في الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي حسن أبو هنية، يرى في حديثه إلى رصيف22، أنه ليس للشيعة ظهور واضح في الأردن، إذ إن وجودهم غير منظم ويقول: “إن ملف الشيعة في الأردن ملف ذو طابع سياسي، وفي بعض الأحيان هروب من الجانب السياسي. لا أعتقد أن هناك مشكلةً في الشيعة كمذهب ديني، ولا يوجد تخوف من الانتقال الديني إلى المذهب الشيعي بقدر ما يوجد تخوف من تبنّي السياسات الإيرانية وتمددها في المنطقة كما حدث في العراق ولبنان وسوريا بالقرب من الحدود الأردنية”.

يضيف أبو هنية: “قبل الثورة السورية، كان المجتمع الأردني في معظمه متشيّعاً سياسياً ومتعاطفاً مع إيران بالمعنى السياسي، إيماناً بأنه مشروع سياسي لمناهضة الإمبريالية الأمريكية والتصدي للصهيونية. لم تكن الآثار الطائفية في المنطقة ظاهرةً بعد، ولم يكن المشروع الإيراني مكشوفاً. ظهر حينها مصطلح التشيّع السياسي في الأردن، فكانت الناس أكثر ميلاً إلى تبنّي السياسات الشيعية التي تقوم بها إيران في المنطقة ضد سياسات أخرى، وهذه موجودة وانتشرت في إحدى الفترات. أما بعد الثورة السورية، فانقسم المجتمع الأردني وظهرت انقسامات على خلفية الموقف وهناك من تشيّع تحت شعار المقاومة والممانعة”.

وهذا يتفق مع ما تحدث عنه مدير معهد السياسة والمجتمع الدكتور محمد أبو رمان، إلى رصيف22، إذ قال: “في الثقافة الأردنية لا توجد حساسيات بين السنّة والشيعة، بالرغم من أن استطلاعات الرأي تُظهر أن هناك انقلاباً في الرأي الأردني تجاه إيران وحزب الله، إلا أنه ما زال هناك ربط تلقائي عند الكثير من الناس بين المذهب الشيعي وإيران وحزب الله وهذا انعكس على النظرة المجتمعية إلى الشيعة الأردنيين، بالإضافة إلى وجود تيارات معادية للشيعة، وخاصةً التيار السلفي إذ يملك مواقف حادةً من الشيعة”.

ويضيف: “هناك هواجس وخوف عند السلطات الأردنية من تطور النفوذ الإيراني ومن استخدام الورقة الطائفية لخدمة مصالحها، وهذا انعكس في عام 2006، بعد الانتصار المعنوي الذي حققه حزب الله في الحرب مع إسرائيل. ووفق التقديرات الأمنية، كان هناك تأثر كبير وبدأ يُستخدم في الأردن مصطلح التشيع السياسي، وافتُتح في حينها فرع لمكافحة التشيع ولكن هذا الهاجس لا أعتقد أنه قائم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق