تقارير

حروبنا الصغيرة.. نهايتهم غير البعيدة: عبد الجواد عمر

782

تتغير نظريات الحروب بسرعة كبيرة، بعد حرب البلقان مثلاً أصبحت نظريةُ حسم الحرب من الجو نظريةً متفوقةً في الغرب، إلى أن جاءت حرب تموز ٢٠٠٦ لتسقط النظرية تمامًا. في السابق كانت مفرداتٌ سمعناها كثيراً مثل “الصدمة والرعب”، و”الحروب غير المتوازنة”، تطغى على التفكير الغربيّ، لكنها أُثبتت فشلها أمام رصانة جنود المقاومة في لبنان وفلسطين. فالعدوّ تعامل مع مخلوق من نوع آخر وجده في حزب الله والمقاومة في فلسطين، والتي استطاعت بناء بنّية عسكريّة هجينة تدمج ما بين حرب العصابات وبنيّة الجيوش التقليدية.
كان ردّ فعل العدوّ على فشلِه في لبنان وإلى حدٍ ما في غزة عام 2008 أن يغيّر من عقيدته العسكريّة بما يتوافق مع حروب تحتاج إلى اجتياح بريّ طويل الأمد بما يتناسب مع توصيات لجنة “فينوغراد” التي تشكلت على إثر الهزيمة في لبنان. فالحروب الجويّة تأخذ مجراها وتصل إلى نهايتها المنطقيّة من قدرتها على إيجاع أو ضرب البنى التحتيّة للمقاومة في مجرى الحرب الحاليّة. وضَرَب العدو في الأيّام السابقة أهدافاً في غزة بعدد الأهداف التي ضربها عدوان عام 2012 بل فاقتها كمّاً ونوعاً وتركيزاً. وما يبدو جليّاً أنّ هنالك تخبُّط لدى الكيان ينعكس في أخذه لقرارات بخصوص خطواته القادمة. يتمحور النقاش الحاليّ بين اجتياح كامل، اجتياح جزئي أو الاكتفاء بحرب جويّة-مدفعيّة. إنّ الإقدام على حرب بريّة يتطلب تحضير المجتمع الصهيوني لضحايا، وترتيب الوضع الداخليّ بما يسمح لعملية طويلة الأمد. إن أرادت “اسرائيل” إضعاف المقاومة والقضاء عليها، ولا يمكن لها أن تجد خلاصها بحلول تكنولوجية حديثة أو حروب جويّة استطاعت المقاومة الالتفاف على قدرتها.
تغييرات في نظريات الحرب الصهيونية
كانت أهم التغيرات فيما يتعلق بألوية الجيش البريّة هو الانتقال من تدريبهم على حروب منخفضة الوتيرة low intensity إلى تدريبات مرتفعة الوتيرة high intensity، و هو تغير طبيعي سُمّيَ في أروقة المنظومة العسكرية “بالعودة الى الأساسيات” في بناء مهارات الجندي الصهيوني. فقد كان العدوّ في السّابق يدّرب فقط 25% من قواته على حروب عالية الوتيرة، و 75% على حروب منخفضة الوتيرة، أما اليوم فقد انعكست الصورة تماماً. كما عمل العدو أيضاً على تطوير حلول تكنولوجية للدروع العسكرية من دبابات و مجنزرات التي تقهقرت أمام ضربات حزب الله الذي أبدع باستخدام صواريخ روسيّة من مضادات الدروع كالكورنيت، كان أشهر معاركها “وادي حجير” الذي اكتسب شهرته من حرب لبنان في ما سمي حين ذاك “مجزرة الدبابات”.
في ذات المنحى، أقدم العدو على تغيير طراز مركباته القديمة في محاولة لامتصاص أخطاء حرب لبنان وتحصين نقاط ضعف الآليات عبر ابتكار أجهزة حماية حديثة ُتغلق نقاط الضعف التي استطاع من خلالها حزب الله ضرب دبابات العدو و اختراق تحصيناتها. بالتوازي مع ذلك، عمل العدو على بعدين: أحدهما كان بتخصيص موازنات كبيرة لتحصين الجبهة الداخلية على الصعيد السيكولوجي والمرتبط بالإعلام الصهيوني ودوره السّلبي في حرب لبنان، إذ استطاعت المقاومة في حينها اختراق أجهزة إعلام العدو وخلق ثقة مع جمهور واسع من المجتمع الصهيوني منحها لحسن نصر الله مقابل قيادات العدو العسكرية والسياسية. من هنا يأتي حظر نشر المعلومات والتعتيم شبه الكامل على مُجرَيات الحرب الدائرة.
أما البعد الثاني، فقد عمل الجيش الصهيوني أيضاً على تحصين الجبهة الداخلية بما يسمى ب passive defense كالعمل على بناء ملاجىء، صفارات الإنذار، وبرامج توعوية للمجتمع عن أهمية اتباع تعليمات الحماية وغيرها من طرق قديمة-جديدة. من أبرز هذه الطرق وأهمها كانت القبة الحديدية التي أتت كرّد فعل على نجاح صواريخ المقاومة اللبنانية والفلسطينية من تهديد البنى التحتية المدنية والعسكرية للكيان، وتهديد التجمعات السكنيّة الواسعة بالإضافة إلى ايقاع قتلى زاد عددهم عن الخمسين في حرب لبنان عام 2006. إنّ تغييرات العدو في عقيدته العسكريّة لها ما لها منّ نجاحات نْلَحظها في انحسار قتلى الحرب عند العدو ونجاحات نسبيّة تتعلق بنجاح غير كامل لمنظومة القبة الحديديّة في إسقاط صواريخ المقاومة، ولكنّها لا تحل أهم جوانب ضعف المجتمع الصهيوني وهيَّ قدرة العدو على احتمال ضحايا من جنود ومدنيين، و قدرته على تحمُّل أعباء الحرب وعمليات الخطف وصواريخ المقاومة التي قضّت مضاجع أكبَر التجمعات السكنيّة الصهيونيّة التي تتواجد في منطقة “غوش دان” أو “تل ابيب الكبرى” والقدس.
الضعف عند العدو يتمثّل بالضعف البُنيّوي الذي يدخل في صلب البناء الفلسفي-الاجتماعي للكيان الصّهيوني، والذي تحّول من مجتمع قابل للتضحية والعطاء في أولى أيامه إلى مجتمع ليبرالي-فرداني يفتقد القدرة على التضحية البشريّة في معارك استنزافية مع المقاومة في لبنان وغزة. لذلك يتردد العدو قبل الدخول إلى غزة تخوفاً من قدرة المقاومة على ايقاع ضحايا بين جنوده تؤدي إلى فشل سياسي آخر يُضعف من قدرته الردعيّة، ويثبت مرةً أخرى للوطن العربي أن الكيان قابل للهزيمة، وأنّ أسطورة “الجيش الذي لا يهزم” قد انتهت.
أستحضر هنا كلمات مئير دغان، رئيس جهاز الموساد و الذي قال تعقيباً على الفشل في لبنان، “إنّ أهم نتائج تلك الحرب هو الادراك الحسي Perception لدى العدو، وأنّه يمكن له هزيمة إسرائيل”. بعيداً عن نجاحات المقاومة الحاليّة والتي تبينت بتطوير قدرتها الصاورخية، من صناعة، وإخفاء، وقدرة على مواصلة ضرب عمق منظومة العدو تحت غطاء جويّ كامل تستخدم فيه المقاومة تكتيكات من نوع فريد تتلخص بالقدرة على الضرب عن بعد، وخلق شبكات من الأنفاق تحت الارض تسهل على وحدات ضرب صواريخ الكّر والفرّ من خلالها بشكل مرن وسريع، والمحافظة بل تطوير الصناعة المحليّة بالإضافة إلى المحافظة على خطوط الإمداد الخارجيّة.
في الحقيقة إنّ أيّ دراسة موضوعية تنظر لمشروع الصواريخ من بداياته حتّى اللحظة، ستلحظ جليّاً أنّ صواريخ المقاومة في غزة كانت وما تزال أوّل مشروع عسكري صناعي فلسطيني ينتقلُ من إزعاجٍ طفيفٍ إلى خطرٍ استراتيجي يهدد كيان العدو، في مدةٍ زمنيةٍ لم تتجاوز الخمسة عشر عاماً. فكانت “سديروت”، المستعمرة المقامة على أراضي بلدة النجد الفلسطينية، أولّ وجهة لصواريخ القسام في العام 2001 بقذيفةٍ صغيرة بصناعة محلية “بدائية” أتت لتهدم المنظومة الأمنية المُحْكَمة للعدو. هي ذات المنظومة التي حاولت فصل القطاع كلياً عن بقية فلسطين من خلال طوقٍ أمنيّ بحريّ-برّيّ يحصر فلسطينيي القطاع داخل مساحة لا تتجاوز ال360 كيلو متر مربع. صواريخ غزة و التي ببدايتها كانت تهدد فقط 50 ألف مستوطن يعيشون في محيط غزة المباشر، فإنها تهدد اليوم أكثر من مليون و نصف صهيوني، و لديها القدرة على ضرب البنى التحتيّة وقواعد العدوّ العسكريّة ومرافقها الحيوية. ما كان في الماضي مُجرد إزعاجٍ طفيف، يُشكل اليوم تهديداً استراتيجياً حقيقياً.
ويمكن فهم أحد معالم هذا التهديد إذا ما تذكرنا مشاريع العدو في نقل ثقله السّياسي و العسكري من منطقة الوسط أو ما يسمى “بدولة تل أبيب الصّغيرة” (حيث يتواجد معظم سكان الكيان) إلى النقب. أحد أهم المشاريع التي تعمل على تحقيق ذلك هو مشروع صيني-اسرائيلي يربط ما بين البحر الاحمر والبحر المتوسط في محاولة اسرائيلية لمنافسة قناة السويس. ولا شك أن صواريخ غزة تهدد أمن تلك المشاريع، ومن هنا ينبع تهديدها الاستراتيجي الحقيقي لكيان العدو. فهو يحصر إمكانية العدو على إقناع مجتمعه بالتوجه جنوباً، كما يقلل فرص إيجاد مستثمرين كبار يقبلون وضع أموال طائلة في منطقة أمنيّة مضطربة . فلولا صواريخ المقاومة في غزة لكانت خطّة “برافر” التي تهدف إلى حصر البدو المنتشرين في النقب بتجمعات سكنية واضحة ومركّزة ، لكان النقب اليوم في وضع ديموغرافي-إقتصادي مختلف كلياً. يبقى الإمتحان الحقيقي للمقاومة في جهوزيتها أمام أيّ عملية بريّة محتملة للقطاع، وقدرتها على تعطيل خطط العدو العسكريّة،من خلال إيقاع إصابات وقتلى لدى العدو، وفعاليتها بمفاجأة العدو بأسلحة جديدة لم تستخدم من قبل، وتكتيكات عسكريّة تتغلب على الطبيعية الجغرافية غير المساندة في غزة.
أما بالنسبة للحلول التكنولوجية التي يتباهي بها العدوّ فإنّها لن تحل أزمته الحقيقية، بّل هي تعبير عن ضعفه في خلق مواجهة ناجحة باشتباك مباشر على الأرض وتعويض صفيق عن غياب “البطل”، وخوفه من تبعات الدخول على تماسك مجتمعه الهش. أجمل ما تنتجه معارك لبنان وغزة أنّها حرب وجوديّة للكيان دون شعور المجتمع الصهيوني بأهميتها و طبيعتها الوجوديّة على المدى الطويل، لأنّها لا تندرج تحت الحروب الكلاسيكية التي يجتاح فيها جيوش العرب دولة الكيان لتصبح تعبئة المجتمع الصّهيونيّ أسهل وقابليته على التضحية أكبر، هي فيتنام بنكهة حداثية. إنّ المعضلة التي استطاعت المقاومة خلقها لدى الكيان لا يمكن حلها عبر تغيير تكتيك أو إختراع تكنولوجي جديد، هي معضلة تدخل بصلب طبيعة العدو وطبيعة مجتمعات محيطه، و قدرة المُجْتَمَعَين على التطور، والتعلم والتحمل.
في هذا الصراع البطيء المستمر الرهان الرابح لنا. حروبنا الصغيرة هي فعلاً نهايتهم غير البعيدة.

المصدر: قدس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق