تقاريرصحة

دكتورة الجنس

كتبت رشا الاطرش : “ماشي الحال”، يقول واحدنا لنفسه، “ع غير كوكب” برنامج ترفيهي، يفترض أن يكون خفيفاً وبسيطاً، تحتاجه القنوات التلفزيونية أسوة بالجمهور في هذا الزمن الصعب، في لبنان الأزمات، وفي عالم كورونا العربي. طغيان ثقل الظل والابتذال، مسألة ذائقة. وكل مُشاهد حرّ في استساغة هذا الترفيه، أو المسارعة إلى جهاز التحكم من بُعد لإنقاذ نفسه من وُحول إضافية لا يريدها أن تلطّخ وقته وذهنه، فوق ما يُرغم على التمرّغ فيه يومياً، في المعيشة والسياسة والصحة، لمجرد أنه يعيش في لبنان.
هو برنامج في شاشة “ام تي في”، المفترض أنها ذات أجندة ليبرالية، متقدّمة بالمعنى الاجتماعي والثقافي على الأقل، وحتى في السياسة تطرح نفسها ثورية، والثورية مفهوم/ممارسة لا تتجزأ.

لكن الحلقة الأخيرة من البرنامج، والتي استضافت الدكتورة ساندرين عطاالله، المتخصصة في عِلم الجنس، تخطت الترفيه إلى زلّتين: الأولى، التخفف المرعب من المسؤولية الاجتماعية والثقافية لمادة تلفزيونية يشاهدها الملايين، لتنغمس بسهولة مشينة في مستنقع الوصم والتعيير وترويج الأفكار السائدة والمغلوطة عن الثقافة الجنسية. والثانية، محاصرة امرأة، وبخصائصها كامرأة دوناً عن كونها شخصية عامة وطبيبة، لجعل حضورها في المجال العام هدفاً لقصف عقلية ذكورية ومفاهيم بائدة، فكم بالحري حين يكون الجنس موضوع حلقاتها وفيديوهاتها المبثوثة في السوشال ميديا؟ هكذا، بدت د.عطاالله صَيداً سهلاً لحلقة “سيكسي”، عشية اليوم العالمي للمرأة. الزي التنكري للحلقة تمثّل في أنها أعطت منبراً لنموذج أنثوي إعلامي يقارب مواضيع “حساسة”. ومن تحت قناع مواجهتها الموضوعية بما يقال عنها وعن محتوى فيديوهاتها، تبنّى المقدمون تلك المقولات، وفي الوقت نفسه استفادوا من كمّ “الإثارة” المحيط بالقضية والجاذب للمشاهدات والتفاعلات الجماهيرية.

لعل د.عطاالله هي أفضل من يدافع عن عملها، سواء بالإشارة إلى فوائد التوعية الجنسية للنساء والرجال والمراهقين، أو بالتعامل مع ملاحظات من نوع “صوتك المثير هو المشكلة” (على طريقة أن لباسك المثير جعلك هدفاً للتحرش)، و”تشجيع الفتيان والفتيات على التفلّت الجنسي” و”التسميات الجنسية بلُغة منفّرة لا تشبه كلامنا اليومي”، لتضعها في مكانها وحجمها المُستحقّ وبالشكل العلمي والطبيعي والهادئ المنتظر من محترفة باتت معتادة على هذه المغالطات. لكن، ماذا عمّا تلمّسه كثر من حريات زائفة بسبب هذه الحلقة، في الإعلام اللبناني وفي السوشال ميديا؟

الثقافة السائدة في لبنان ما زالت مكبّلة، رغم كونها متقدمة على ما يحظى به الجيران العرب. الإعلام، الدراما، الإعلان، الشارع، الجامعة.. في جزء كبير من هذه المساحات، نرى النساء قادرات على احتراف العمل الذي يردن، رغم الصعوبات والتمييز بالقانون والأعراف. نراهن يرافقن من يشأن إلى حيث يشأن، يرتدين ما يحلو لهن، يمتلكن أجسادهن وأنوثتهن وهوياتهن الجندرية. ونراهن، مع رجال متحررين، مدافعات عن ضحايا، ليسوا بقلّة، للعنف الأسري والاغتصاب والقتل وظلم المحاكم الروحية.

ومع ذلك، وفي قناة مثل “ام تي في”، فإن تحقير موضوع التوعية الجنسية، وتناوله بأدوات متخلّفة، بل مُنحطّة، وكأنه موضوع “بذيء”، بدا أسلس وأقل “خطورة” بكثير من السخرية من فيديوهات “الكابتن كتورة” الذي غزا مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً بأداء “غنائي” استظرفه كثر بالضبط لأنه على هذا القدر الخيالي من الرداءة. بالتأكيد، ليس المقصود هنا التشجيع على إهانة كتورة ووصفه بأنه “شيء” كما ورد في الحلقة التي لا يعرف مقدموها الفرق بين الخفة والسفالة. بل المقصود إنه، في الحلقة التالية، قدّموا الاعتذارات العميقة وفروض الندم والاستسماح من الكابتن. لماذا؟ ليس لمعايير مهنية وأخلاقية كانوا قد ضيّعوها ثم وجدوها. بل لأن البرنامج قُصف بالاستنكارات، لا سيما في السوشال ميديا، من مشاهدين ومشاهير اتهموه بالتنمر على شخصية ساهمت في إزاحة بعض الهم عن القلب في عز المحنة. القصة دوماً قصة “راتنغ” وجمهور. جمهور كتورة كبير، يُحسب له حساب، بصرف النظر عن مفارقات الكوميديا. جمهور د.ساندرين عطاالله، ليس بهذا الحجم، ولا بهذا الاستئساد. وهي، في النهاية، امرأة (لا أحد يكترث إلى أنها طبيبة)، موضوعها الجنس (لا أحد يبالي بالشق التوعوي) في برنامجها الخاص عبر السوشال ميديا. جديتها في تناول “تابو”، تسبب الحيرة: كيف يوائمون بين التخصص وتقدّمية فكرة التوعية الجنسية السائدة في الغرب حيث تستلهم “ام تي في” برامجها وغلافها البصري واللغوي، وبين الموضوع الذي لا يدركونه إلا كموضوع إباحي؟

صحيح أن شبكات التواصل الاجتماعي ساحات ضخمة، لحرية فعلية أحياناً، ومتخيلة في أحيان أخرى، لكن أحداً لا ينسى أنها أيضاً ساحة المتدينين والمحافظين والمتطرفين. ساحة للجميع ولكل شيء. لكن ما الأيسر والأكثر انتشاراً لبنانياً وعربياً؟ ما الأكثر انتماء إلى المتن؟ برنامج يسمي الأعضاء التناسلية بأسمائها، ويشرح الأفكار المغلوطة، عن الحيض مثلاً الذي يصنفه الدين والمجتمع المحافظ “نجاسة”؟ أم ثقافة العيب والإجفال من طبيعية “الحميم” وعاديته، وفوق ذلك تتحدث فيه امرأة؟! تختار “ام تي في” الراتنغ والشعبوية، وهذان هدفان معروفا المنبع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق