تقارير

ماذا لو وقعت ايران اتفاقها النووي ؟ – علاء الرضائي

قبل ان اتحدث عن تداعيات او ما يمكن رصده واستشرافه من تداعيات للاتفاق النووي بين ايران ومجموعة دول الست او اميركا على وجه التحديد، يثير استغرابي هذه الايام حجم المقالات والموضوعات التي تنشرها وسائل الاعلام الخليجية او المموّلة بالبترودولار حول تداعيات الاتفاق النووي والهلع الذي اصيب به هؤلاء الكتاب، وهم في قمة اليأس والاحباط وكأنما يقادون الى المقصلة!

بداية اقول لهؤلاء، لاتخافوا من الاتفاق النووي بين ايران واميركا لان ما سيصلكم من الكتابة في عظمة صفي الدين الاردبيلي والشاه عباس الصفوي والجمهورية الاسلامية وضرورة التعايش السلمي والاخوة بين ابناء المذاهب الاسلامية، من نفس انظمتكم حصرا، اكثر بكثير ممّا كتبتموه الى اليوم!
بل خافوا من عدم حصوله، لان الغرب سيحوّلكم الى وقود لحربه ولو ان اراضي الغرب بعيدة عن ايران فأنتم اول من سيحترق بنار جمعتم حطبها على اراضيكم بالتآمر والحقد واستجلاب القوات الاجنبية.. أما نحن فاتباع من نادى عند الفتح: اليوم يوم المرحمة…

نعم، من الغباء ان تقطع جميع الجسور التي خلفك ولاتترك خط رجعة لنفسك، فلعلك تكون مخطئ.. تعلموا من الايراني كيف يمسك بجميع الخيوط في يده ويحافظ حتى مع عدوه على شعرة معاوية!
والله يحزنني ما وصلت اليه الثقافة العربية في عصر البدونة وكيف تصدر الاعراب ومرتزقتهم مشهد الخطاب العربي، فغابت مقولات التحرر والوطنية والاخلاق و”قل الديانون” وكثر الذباحون، يتخبطون بين الحديث عن المجوسية والساسانية والصفوية والمقاومة والهلال الشيعي والحشد الشعبي والحوثي، في “عصيدة” لا يستسيغ مضغها الا هم ومن على شاكلتهم.. في غياب واضح للتحليل العلمي والخطاب العقلاني.. حتى بدأوا مؤخرا يدارون خيبتهم وجهلهم وهم محطمون نفسيا، بأن سبب كل ما حل بهم اوباما والاهتمام الاميركي بالشرق الاقصى وغياب الشرق الاوسط من الاستراتيجية الاميركية.. وهذا فرق الحكيم مع السفيه، فالسفيه يدرك الامر بعد وقوعه!

أعود لأصل الموضوع وتداعيات الاتفاق النووي الذي لا اقول انه سيحصل بالتاكيد، لانه ورغم جميع القرائن والشواهد التي تشير اليه، بقي انه لم يوقع الى الان وحتى توقيعه لايمكن الجزم به.. لكن ماذا لو تم التوقيع؟!

 

جرت مفاوضات بين ايران وامريكا الاسبوع الماضي في مونترو بسویسرا

داخليا:
لن اكون مهتما بالشؤون الداخلية الايرانية الا بقدر تأثيراتها على المسرح الخارجي دوليا واقليميا، لكن يمكن رصد ما يلي:
1. رفع الحظر والعقوبات بالزام دولي، مما يعني عودة الاموال الايرانية المجمدة والشركات العالمية، اي المزيد من الانتاج وفرص العمل والدخل والصادرات، يعني العودة الى السقف السابق من تصدير النفط والعملة الصعبة.. وهذا سيؤثر على مؤشرات النمو والرفاه للمواطنين.
2. تكون الحكومة الايرانية قد حققت انتصارا دبلوماسيا واعترافا دوليا بدخولها النادي النووي من اوسع ابوابه، وهذا يعني المزيد من المشروعية للنظام والالتفاف الشعبي حوله وبالتالي قدر اكبر من المناورة في منظومة الحكم والسياسة الداخلية.
3. واذا كان الايراني بطبعه واثق بنفسه، فكيف به وهو يوقع على اتفاق نووي مع الد واشد اعداءه الذين ارغموا للاعتراف به كند وصاحب قوة اقليمية لايمكن لاي كان تجاهلها وغض الطرف عنها؟
4. تقليل اعباء اقتصاديات سباق التسلح وما تستهلكه المناورات العسكرية ووفرة الانتاج الحربي من خزينة الدولة، وتوجيه جزء كبير من تلك الاقتصادات نحو الاعمار والبنى التحتية والمشاريع البحثية.

وتفصيل العديد من التداعيات الداخلية الاخرى متروك لاصحاب الاختصاص الذين يمكنهم ان يدرسوا ذلك باسهاب.

 

تستانف الجولة التالية من المفاوضات في 15 اذار /مارس القادم

خارجيا:
اما على الصعيد الخارجي وخاصة فيما يتعلق بالمحيط الاقليمي، فيمكن الاشارة الى بعض النقاط:
1. الاعتراف الدولي بايران كقوة اقليمية يمكن الاعتماد عليها في ضبط ايقاعات واتجاهات وسياسات الكيانات والبلدان الاخرى، حتى الكيانات غير الحليفة.
2. التحول من السياسة الخارجية العادية الى السياسة الخارجية الذكية، بمعنى التخطيط الاستراتيجي واستثمار عناصر القوة الناعمة بجانب القوة الصلدة لتحقيق اهداف السياسة الخارجية وضمان مصالح الدولة، او بمنى آخر زيادة وتيرة الفعل الدبلوماسي في مقابل رد الفعل.
3. المشاركة الفاعلة في حل الملفات الساخنة واطفاء بؤر التوتر، فاذا كانت ايران تمثل قوة لها نفوذها وامتداداتها وهي محاصرة ومضيق عليها، فكيف ستكون الامور وهي مرحب بها؟!
4. ومن المهم في تلك التدعيات، واذا ما وعت بعض الانظمة الاقليمية على حقيقة اوضاعها، هو: تقليل منسوب العداء في الخطاب والشحن والتجييش ضد الآخر، مما يساعد في ازالة الحواجز النفسية الواهية التي صنعها الاعلام المعادي وخاصة الخليجي منه.
5. بدء عملية حوار شامل في المنطقة، وقد تكون زيارة وزير خارجية الاردن لطهران بعض تباشيرها حيث دعى الى فتح حوار بين ايران والجامعة العربية، رغم ندرة ما ترشح عن الزيارة هنا في طهران!
لكن حول اي شئ سيكون الحوار.. وما هي خلافات ايران مع متصدري الجامعة العربية اليوم؟
هل هناك غير سوريا والعراق واليمن والبحرين ولبنان وفلسطين و…الخ، وهل تعتقدون ان ايران ـ مثلا ـ ستتراجع عن الحل السلمي كمخرج وحيد للازمة السورية وهي التي لم تترك القيادة والشعب السوري وحيدا في الحرب التي شنتها عليه اكثر من 100 دولة ونظام، في مقابل الجامعة العربية التي تصر على الحل “السلمي” مع الصهاينة ومن خلال التخلي عن اكثر التراب الفلسطيني؟!
6. سهولة نقل الخبرات والانجازات الايرانية في المجالات التقنية والطبية والزراعية الى الدول الاسلامية والعربية خاصة، مما سيعطي عمقا ونفوذا للايرانيين في هذه البلدان، وتقاربا بين نخبها وشعوبها يصعب على سماسرة الحرب النفخ في ابواق العداء بين شعوب المنطقة.
7. والأهم من كل ذلك، هو تحول النموذج الايراني المنتصر في المقاومة والتقدم والاعمار الى نموذج اقليمي وعالمي يغري العديد من شعوب المنطقة باتباعه.
لذلك من الآن اقولها.. ان مشروعية العديد من بلدان المنطقة وعلى عكس ما تصوره العقليات المتأزمة والتي اعتاشت كالبوم على خراب البلدان في الفترة السابقة، سيكون بحجم وفي مستوى اقترابها من ايران وعدم استعداءها، وان كنت اشك ببعض ايتام اميركا ان ياخذوا العبرة بما مضى وفي ان تغير حليمة عادتها القديمة!
8. سيزداد الحصار والخناق على الكيان الصهيوني، مما سيسهل الامر حتى على دعاة “التسوية” العرب الذين لفضت مشروعهم “اسرائيل” حتى اليوم!
كما ان الخناق سيزداد على دعاة التقاتل المذهبي والديني وسيجد التكفيري نفسه في الزاوية تحاصره دعوات التقريب والاعتدال ونبذ التطرف.

وطبيعي في ظل هذه الصورة الجديدة ستتغير بعض التحالفات الاقليمية والثانوية وتخفت بعض الالوان الصارخة اليوم، لكن التعايش السلمي والحل السياسي سيفرض نفسه على جميع الملفات.. وما نأمله هو احتواء الجميع.

ومع ان بعض العقليات والانظمة العربية تحاول استباق الزمن من خلال تحالفات ذات طبيعة عدوانية ومذهبية، الا ان ما اعرفه عن الانظمة العربية يجعلني اعتقد انها ستهرول الى طهران وفي مقدمتها بعض البلدان الخليجية التي كانت تمول العديد من الاعمال العدائية ضد ايران وحليفاتها في المنطقة…

ايران في المرحلة القادمة لابد ان تكون اكثر ذكاءا ويقظة ووعيا، لان الصراع مع المستكبر لن ينتهي وسياخذ طابعا آخر، لان الصراع في السلم أشد وأكثر دقة منه في الحرب.. والمنافقون أشد من الكفار!
الاتفاق النووي وكما قلت في اوقات سابقة، الحل الوحيد للعديد من مشاكل المنطقة، لانه يعني تغليب العقل والسلم على جنون الحرب والصراع الذي فتت الشرق الاوسط الذي لايزال فيه حيزا من الجمال بفسيفساءه وتنوعه دينيا ومذهبيا وقوميا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق