تقارير

مقاربة فكرية «للغرامشية» في خطاب السيد نصرالله الأخير – عمر معربوني

25797658041119568

المصدر : سلاب نيوز

تدمير وتحطيم وتهشيم كل شيء ، هذا هو المسار الجديد الذي تنتهجه أميركا ومعها ” اسرائيل ” ، فالمسألة تجاوزت مجرّد ضرب للكيانات القائمة وإضعاف جيوشها أو إحداث عملية تغيير للسلطة السياسية في كل بلد.
إنها معركة إنهاء وجودنا جميعاً. فالمعركة لا تستثني أحداً وهدفها محو معالم التاريخ والهوية وكل شيء.

لم يبد السيد حسن نصرالله متردداً أو خائفاً أو موهوماً ، فقد وصّف الواقع بواقعية دون الوقوع في فخّ التهويل أو التقليل من حقيقة المخاطر .
ولا أعرف لماذا تذكرّت الفيلسوف الإيطالي ” انطونيو غرامشي ” وأنا استمع لخطاب السيّد الأخير ، ربمّا لتشابه الفاشيّة وأهدافها مع ” داعش “. كلا الفكرتين اعتمدتا البطش والقتل والهيمنة بما فيها الهيمنة الثقافية التي أولاها “غرامشي” حيّزاً كبيراً في طروحاته لمواجهة الفاشيّة، أما ما دخل الهيمنة الثقافية في كلامنا، فلأن هذا الإستلاب الفكري التي تعيشه الجماعات أتى نتيجة مسار طويل من التعبئة مَذْهب حتى أبسط المسلكيات وصار موقف الآخر منطلقاً من الكره المذهبي وليس من التحليل العقلي ولا حتى المصلحي، وهو أمر يشكّل أخطر المراحل التي نعيشها وسيشكّل عقبة كبيرة في إعادة تموضع الجماعات في مواجهة الهجمة الداعشية.

بداية ولمن لا يعرف من هو ” انطونيو غرامشي ” عرض سريع لحياة وأفكار هذا الفيلسوف .
هو مفكر وفيلسوف ايطالي واكب نشوء الفاشية ويعتبر من المبدعين داخل الفلسفة الماركسية حيث سميّت ابداعاته بالغرامشية وهي توجهات جديدة تعتبر أن الفلسفة يجب ان تنحو بإتجاه النشاط العملي والنقدي والممارسة الإنسانية والمحسوسة لتلامس حاجات المجتمع والإنسان ولا تبقى مجرد اقوال وافكار وهو ما يأخذنا بإتجاه التحليل الملموس للواقع الملموس وهو المنهجية الأساسية في كل خطابات السيد حسن نصرالله .

كان غرامشي إنساناً خلاقّاً ومبدعاً في تفسير الأشياء وكان مناضلاً وليس مجرد مفكّر منزوي، ووقف بوجه الحركة الفاشيّة ودعا كل شرائح المجتمع الإيطالي السياسية والنقابية والإجتماعية للتوحد في مواجهة الفاشية وتخطي تناقضاتها وتأجيل النقاش فيها حتى حسم المعركة مع الفاشيّة باعتبارها باتت تهدّد وجود الإيطاليين.

ويركز جرامشي في معظم كتاباته عل تحليل القضايا السياسية والثقافية كذلك نقض الزعماء السياسيين ورجال السياسة والثقافة.
في نوفمبر اعتقل النظام الفاشي غرامشي وحكم عليه بالسجن 20 عاما وتوفي في سجنه عام 1937 اثر نزيف دماغي حاد.

ولا بد من ذكر ان خلاصة ابداعات غرامشي الفكرية كتبها في سجنه وهي ما زالت تشكل مرجعا هامّا في الفلسفة والفكر النضالي السياسي.
لا اعرف إن كان السيد حسن نصرالله قد اطّلع على ابداعات ونضالات انطونيو غرامشي ولكنني وجدت شبهاً كبيراً في الطروحات.

فالفاشيّة حاولت ان تهيمن ثقافيا على شرائح المجتمع الإيطالي من خلال بث الشحن والغرائز وهو ما تفعله بعض القوى اليوم حيث تعمل على تعميم استلاب فكري للعقول لمصلحة الغريزة المذهبية للتغيير في معادلة الصراع الأساسية.

الفاشيّة التي صورّت نفسها بإنها المنقذ هي نفسها ألآن تم تخليقها بصورة واسم جديدين تبطش وتقتل وتهدم وتفتت ليأتي مصنعهّا في اللحظة المؤاتية ويطرح نفسه كمنقذ.

ففي لحظة الذروة التي ستنتج عن هزيمتنا لن يكون عندنا الاّ همّ واحد وهو كيف نبقى ، ولن يكون مهمّا من ينقذنا حتى لو كان الشيطان نفسه.
في كلامه الأخير استفاض السيد حسن نصرالله في توصيف المرحلة الحالية وطبيعة مخاطرها واستهدافاتها ومساراتها الجديدة ، وكان واضحاً في دعوته لتخطي كل الخلافات والتناقضات والعمل بشكل جدي للدفاع عن وجودنا جميعاً ، لم يترك شاردة او واردة إلا وتكلم عنها ، لم يخجل من وجود المقاومة في سورية واصرّ على صوابية الحرب الاستباقية التي تخوضها والتي لولاها لكان القتال الآن دائراً في بيروت او الجنوب ربما.

كان السيد نصرالله واضحاً وضوح الشمس عندما اعلن خيارات الخط المقاوم في التصدي والدفاع والقتال في مواجهة هذه الهجمة الشرسة ولم تكن دعوته الآخرين لتجاوز الخلافات والشروع في مواجهة مشتركة دليل ضعف أو وهن بقدر ما هي دليل قناعة وحزم لا هوادة فيهما،  فقرار المواجهة موجود ومئات الشهداء سقطوا وهم يدافعون عن وجودنا بينما ما زال الآخر منخرطاً في تزوير الحقائق وتشويهها.

لم يكن مفاجئاً لأي مراقب أن لا يتّم فهم ما طرحه السيد نصرالله من قبل الفريق الذي ما زال على ما يبدو موزّعاً بين مشارك في الهجمة ومكابر لا يريد التراجع ومتردّد خائف على خسارة امتيازاته ، فالسمة الرئيسية لهذا الفريق تراوح بين الولدنة السياسية والغرق في التبعية، ورغم كل ما يقوله أو ينشره هذا الفريق عن خطر الارهاب والجماعات الإرهابية إلاّ أن تجربة عرسال اتت لتؤكد استمرار راس هذا الفريق في حماية اشخاص ساهموا في ايواء الارهاب تحت عنوان المذهب ، إضافة الى هذا التماهي مع جماعات وسيطة ساهمت في تعقيد المواجهة، وهي جماعات ما فتئت تهدد باستخدام الشارع المذهبي واستخدامه في مواجهة الجيش مستغلة حساسية الاوضاع ودقة الملفات المطروحة.

هذه المواقف ما زالت على حالها في الموقف من سورية التي لا يمكن حسم المعركة بمواجهة الارهاب الا بالتنسيق معها، وهي نفس الاصوات والمصطلحات والكلمات في موقفها من المقاومة اللبنانية ودعوتها للخروج من سورية .
والسؤال المطروح هنا : هل أنّ هذه القوى لم تعي فعلاً حقيقة الخطر؟ أو انها تعرفه ولا تستطيع الا أن تأتمر بأوامر المشغّل؟
ختاماً لا بد من القول أنه رغم التشابه في الطرح بين السيد حسن نصرالله وانطونيو غرامشي في مقاربة الخطر الوجودي إلا أن هناك فارقاً هامّا وجوهرياً بين الرجلين.

فانطونيو غرامشي كان فيلسوفاً ومفكراً وقضى أغلب حياته في السجن الذي توفي فيه، بينما يقود السيد حسن نصرالله المقاومة التي هزمت الجيش الذي لا يُقهر ، وهي تخوض الآن الى جانب الجيش العربي السوري كبرى المعارك في مواجهة الهجمة العالمية ، هذه المقاومة هي ايضاً شريك المقاومة الفلسطينية في التسليح والتدريب والقرار.

من بين الجميع وحده وليد جنبلا ط استشعر الخطر القادم ، ولمجموعة من الاعتبارات سيكون ومن يمثل في قلب المواجهة ان حصلت ، ولن يتأخر هذه المرّة على أمل أن يفهم الآخرون جدية الخطر وينحو منحى وليد جنبلاط ويخرج من رتابة مواقفه السابقة التي اصبحت مجرد تكرار لا قيمة له.

من المؤكد ان الانتصار على داعش مسألة حتمية ، هذا النصر سيحصل بمشاركة باقي مكونات الوطن او عدمها ، فعندما حقّقت المقاومة نصر سنة 2000 و 2006 لم تكن تحظى بتأييد الجميع ، إنه النصر برغم كلفته سيكون خاتمة هذه المواجهة ولكنه نصر سيكون له نكهة جامعة إن شاركت باقي مكونات المجتمع في صناعته اقّله في الرؤية والنظرة ، وسيكون هذا النصر أجمل غن امتزج فيه دم الجميع وعرقهم لنستحق جميعاً وطناً للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق