تقارير

نحن والإسلام والإرهاب – مانویل الخاندرو

قبل مدّةٍ بعث المرشد الأعلى في إيران رسالةً خاطب فيها شباب أوروبا وأمريكا الشمالية، وقد اعتبرها الكثيرون شبيهةً بتلك الرسالة الشهيرة التي بعثها الإمام الخميني إلى ميخائيل غورباتشوف.

تتضمّن هذه الرسالة جملةً أساسيةً، وهي: “لاتسمحوا لهؤلاءأن يخدعوكم بادّعاءاتهم المرائية فيصوّرون لكم الإرهابيين العملاء لهم بصفتهم مندوبين عن الإسلام”.

بناءً على ذلك، هنالك سؤالان يطرحان في هذا المضمار:
أوّلاً: ما السبب الذي دعا السيد علي الخامنئي لاعتبار الإرهابيين بأنّهم عملاء للقوى الغربية؟ أي: ما هو دور الغرب في ظهور الإرهاب؟
ثانياً: ما هو الإسلام الحقيقي؟ أي: ما هي حدود الإرهاب؟ هل إنّ نسبة الإرهاب إلى الدين الإسلامي هي حقيقةٌ أو أنّها مجرّد مزاعم واهية منسوبة لهذا الدين بهدف الترويج للإسلاموفوبيا؟

ولأجل الإجابة عن السؤالين أعلاه، من الحريّ أن نقوم بتحليل السياسات التي اتّبعها الغرب تجاه الإسلام في العقدين الماضيين، وكذلك بيان فحوى رسالة المرشد الإيراني.
أمّا بالنسبة إلى السؤال الأوّل، فمن خلال دراسة وتحليل التطوّرات الأخيرة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وبعد تتبّع السياسات الخارجية للبلدان الغربية، نتوصّل إلى النتائج التالية:

1) منذ زمنٍ بعيدٍ، عمل الزعماء الغربيون ووسائل الإعلام التابعة لهم على تصوير الإسلام بصورةٍ شيطانيةٍ، وهذه المساعي قد بلغت ذروتها إثر خدعة الموساد بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001م، حيث حاولت المخابرات الإسرائيلية إقناع الغربيين بوجود مخاطر خارجية تهدّدهم من ناحية الإسلام والأمّة الإسلامية والمجتمع الدولي الإسلامي.

2) قام الغربيون بتأسيس تنظيم القاعدة وسائر الأعداء الأعتى منه، كالجهاديين الذين نشؤوا وتكاثروا بواسطة الغربيين، وتزامناً مع ذلك، انطلقت عملياتٌ نفسيةٌ تستهدف رهاب الإسلام؛ وهذه العمليات في الحقيقة هي ذات الإسلاموفوبيا التي تلقّن بها أذهان الشعوب الغربية.

بطبيعة الحال عندما يتلوّث الذهن الغربي بأفكارٍ مسمومةٍ منشؤها الإسلاموفوبيا، فالنتيجة هي أنّ شعوب العالم الغربي ستدعم العمليات العسكرية للناتو في أفغانستان، وتبعاً لذلك ستؤيّد الهجمة الأمريكية ضدّ العراق والكثير من التدخّلات السافرة والسرّية في مختلف البلدان الإسلامية.

3) يمكن القول أنّ تصريحات الأسقف “جيري فالول” تعدّ أكثر التّهم إهانةً للمسلمين، فقد قال: “أعتقد أنّ محمّداً كان إرهابياً، وقد اطّلعت على سيرته بما يكفي في المصادر التي دوّنت من قبل المسلمين وغيرهم، فوجدت أنّه كان رجلاً جبّاراً وداعياً إلى الحروب”.

4) قام “فيديل” بدراسة وتحليل لما نشرته صحيفتا “الأهرام” المصرية و”يو. أس. أس. تودي” الأمريكية خلال ثلاثة أشهر تلت أحداث الحادي عشر من أيلول، وتوصّل إلى أنّ معظم المواضيع التي طرحت فيهما حول البلدان العربية تتمحور حول الإرهاب والإسلام المتطرّف. وفي الوقت الذي أثبت فيه أنّ صحيفة الأهرام تؤكّد شجب البلدان العربية للهجمات والتطرّف، فإنّ صحيفة يو. أس. أس. تودي تتّهم العرب بالراديكالية الإسلامية والإرهاب والتطرّف في مختلف بقاع العالم.

5) قام “غوما” بدراسة وتحليل الانطباع حول الإسلام والمسلمين في الصحف الأمريكية والفرنسية والألمانية، وأثبتت النتائج أنّه خلال 50 يوماً تلت أحداث الحادي عشر من أيلول ركّزت هذه الصحف جهودها لتصوير البلدان العربية والإسلامية بأنّها حواضن آمنة للإرهاب وأنّها تتبنّى ثقافة العنف.

6) قام “ليفينتال” بإجراء دراسةٍ تحليليةٍ حول أكثر من 100 مقالةٍ نشرت في أهمّ وسائل الإعلام الأمريكية خلال العامين 2001م و 2003م، حيث دوّنها تحت عنوان “ما هو الإرهاب في خطاب وسائل الإعلام الغربية؟” وتوصّل إلى أنّ ما يفوق 80 بالمائة من المقالات حينما تذكر الإرهاب فهي تشير إلى الإسلام أو المسلمين مباشرةً وكأنّ الإسلام والإرهاب مصطلحان يعبّران عن مفهومٍ واحدٍ. كما أثبت أنّ معظم المقالات قد استخدمت بعض المفاهيم إلى جانب بعضها، كالتطرّف، والتطرّف الإسلامي، والارهاب، والتحجّر الفكري.

يعتقد ليفينتال أنّ غالبية كتّاب هذه المقالات ومحلّلي أهمّ وسائل الإعلام الأمريكية، يرون أنّ الإرهاب هو صورةٌ للإسلام بذاته وأنّ المسلمين هم الذين يرعونه ويقومون به ويروّجون له.

7) هدف الغربيين من تصوير الإسلام بأنّه دين عنفٍ هو استبدال عدوّهم السابق – الشيوعية – بعدوٍّ آخر، وذلك لاتّخاذه ذريعةً لتبرير صناعاتهم العسكرية المتواصلة والتي تعتبر النواة المركزية للاقتصاد الأمريكي. هذا الاقتصاد التسليحي السياسي يضرب بجذوره في عقد الأربعينيات من القرن المنصرم والحرب العالمية الثانية التي اندلعت آنذاك.

أمّا الدور الإسرائيلي في هذه العمليات النفسية فهو يعود إلى أحداث الحادي عشر من أيلول، فقد انطلقت على نطاقٍ واسعٍ لتلقين العالم بأنّ أعداء إسرائيل في الشرق الأوسط هم أنفسهم أعداء العالم الغربي، كما أنّها باتت وسيلةً لتغيير مسار الإعلام المناهض للشيوعية وتوجيهه نحو الإرهاب.

8) تعاونت كلّ من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو وبعض البلدان العربية في منطقة الشرق الأوسط لتأسيس ما يسمّى بالدولة الإسلامية (داعش)، ووفّرت لها جميع الإمكانيات وفسحت لها المجال لاستقطاب الطاقات الإنسانية من شتّى أرجاء العالم، وبالتالي أنشأت منها تنظیماً یتمتّع بأحدث وأفضل التجهيزات لكي یكون أنموذجاً جديداً يعتمد عليه لتبرير الحرب العالمية ضدّ الإرهاب، وقد صيغ هذ التنظیم الذي تمّ تأسيسه حديثاً بشكلٍ يمهّد لإيجاد أجواء دائمة للإسلاموفوبيا في الذهن الغربي.

هذا الأنموذج الجديد للإسلاموفوبيا أصبح تجارةً رابحةً للبلدان الغربية، فعلى سبيل المثال أوجد سوقاً منتعشةً لبيع منتجات هوليوود التي تتضمّن إساءات للإسلام، إذ إنّ تلقين الذهن الغربي بهذه المسائل تعين البلدان الغربية اقتصادياً وتوفّر لها الوسائل الضرورية لتحقيق استراتيجياتها الجيوسياسية على مختلف الأصعدة، كبسط سيطرتها على المصادر الطبيعية الخارجية والاستحواذ على أنابيب النفط والغاز في أوراسيا لأجل تضييق الخناق على المعارضين السياسيين عن طريق القمع البوليسي والسيطرة على الشعوب الغربية.

9) أهمّ عقبةٍ تحول دون معرفة الإسلام الصحيح في الغرب هي العمليات النفسية المكلفة بهدف التمييز بين البشر وتحويل الإنسان إلى عبدٍ خاضعٍ لسلطة نظامٍ نفسيٍّ تقوده طبقة ارستقراطية عالمية تسعى إلى تحويل أورشليم عاصمةً لها.

إنّ الأمر الذي يتمّ تلقينه للأذهان المريضة في شتّى أرجاء العالم يعكس في ظاهره الاحترام والأخوّة بين جميع الناس، لكنّ الغربيين يكذبون ويدّعون أنّهم يريدون تأسيس نقابةٍ فكريةٍ في عصرٍ عظيمٍ، وذلك عندما يصل السلام والانسجام ذروتهما لكي تنعم بهما الأجيال اللاحقة في عالمٍ أفضل.
بعد هذا الإيضاح، نتحوّل إلى السؤال الثاني: ما هو الإسلام الحقيقي؟ أي: ما هي حدود الإرهاب؟

للإجابة عن هذا السؤال، من الحريّ بنا تحليل مضمون الرسالة التي وجّهها المرشد الأعلى في إيران إلى الشبّان الغربيين، حيث أشار إلى الأحداث التي وقعت مؤخّراً في فرنسا وبعض البلدان الأخرى، وتطرّق إلى سياسة الترهيب والضغينة في الغرب؛ لذلك طالب هؤلاء الشباب بالتفكير في أسباب تفاقم هذا الترهيب ضدّ الإسلام لكي يعرفوا المفاهيم والقيم الإسلامية التي تعرقل مخطّطات القوى العظمى، والمصالح التي يطمح لها أعداء الإسلام في ظلّ ما يطرحه الساسة الغربيون من أكاذيب تنسب إليه.

وملخص الكلام أنّ رسالة مرشد إيران تشير إلى عدّة نقاطٍ هامّةٍ، وهي:
1 ) المسألة الأولى الجديرة بالاهتمام هي توقيت هذه الرسالة، حيث تمّ تدوينها خلال فترةٍ تحوّلت فيها حروب الحادي عشر من أيلول والحرب العالمية ضدّ الإرهاب إلى حركةٍ جديدةٍ تجسّدت في الحرب ضدّ داعش.

2 ) السبب الذي دعا مرشد إيران لتوجيه رسالةٍ إلى الشبّان الغربيين هو أنّ شباب أوروبا وأمريكا الشمالية هم الأكثر عرضةً للخطر جرّاء الأفكار المنحرفة التي تلقى عليهم من قبل المنظومة السياسية.

3 ) هذه الرسالة التي وجّهت إلى شبابٍ يقطنون في أرقى بلدان العالم ويخضعون لأسوأ موجاتٍ إعلاميةٍ، تضمّنت دعوةً إلى ملاحظة الأمور التي تخفيها الصورة المشوّهة للحقيقة، حيث دعي فيها الشباب إلى التأمّل في واقع نور الوحي الإلهي وحفّزهم كاتبها على مراجعة المصادر الأصيلة والعقلائية للوحي الإلهي في رحاب الكتب المقدّسة.

4 ) هذه الرسالة تدعو الشباب في أوروبا وأمريكا الشمالية بجميع مشاربهم وتوجّهاتهم لكي يعرفوا الإسلام الحقيقي عن طريق الاطّلاع على التعاليم المقدّسة وسيرة الأنبياء منذ آدم حتّى نوح، ومنذ إبراهيم حتّى موسى، ومنذ عيسى المسيح حتّى محمّد.

5 ) لو ألقينا نظرةً على الأحكام الإسلامية نستنتج أنّ الإرهاب ليست له أيّة جذورٍ إسلاميةٍ، بل إنّه مرفوضٌ جملةً وتفصيلاً في القرآن الذي هو الكتاب المقدّس لدى المسلمين، وهذه الرسالة دعت الشباب لتلقّي المعلومات الصحيحة عن الدين الإسلامي ومعرفته على حقيقته عبر مراجعة هذا الكتاب المقدّس بغية التعرّف على واقع هذا الدين الداعي إلى السلام.

إنّ الزمر الإرهابية التي تنتشر في مختلف البلدان الإسلامية هي على ارتباطٍ وثيقٍ بأجهزة المخابرات الغربية وتتعاون معها في جميع المجالات، إذ لو تابعنا أهمّ تنظيمين إرهابيين – القاعدة والدولة الإسلامية – نجد أنّ الغربيين ينسبونهما إلى العالم الإسلامي، لكن لا يخفى على أحدٍ تلك المساعدات الجمّة التي قدّمها الغرب لهما في مختلف الأصعدة المالية واللوجستية والعسكرية.

الغموض الذي يكتنف هذا الأمر في الحقيقة هو: من الذي يدير دفّة الحركات الإرهابية؟
تشير الوثائق المعتبرة والأدلّة الدامغة إلى أنّ أكثر الحركات الإرهابية إجراماً ورعباً – القاعدة والدولة الإسلامية – والتي ينسبها الغربيون إلى الإسلام، هي في الحقيقة تستمدّ طاقاتها من الغربيين أنفسهم، وبطبيعة الحال فإنّ كلّ حركةٍ من الحركات الإرهابية قد أُنشأت إلى أمدٍ معيّنٍ، لذلك نجد أنّ التعامل مع الإرهاب يتمّ على أساسٍ انتقائيٍّ. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ الغربيين يقسّمون الإرهاب إلى سيّئ وحسن، لكنّ الحقيقة هي أنّ الإسلام الأصيل لا يؤيّد الإرهاب مطلقاً ويرفضه جملةً وتفصيلاً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق