لايف ستايل

3 تجارب بارزة عن كيفية تلاعب الدراما التاريخية بنا

الدراما، والدراما التاريخية خصوصاً، لا تكف عن لعب دور الجندي الخفي الذي يتسلل إلى وعي المشاهدين بحذر، ليستقر في مخيلتهم مستغلاً اطمئنانهم وتراخيهم.

ومن هنا صارت الدراما التاريخية وسيلة من وسائل نقل الأفكار والإديولوجيات السياسية التي تعمل الأنظمة والحكومات على نشرها، وصار التنافس في تقديم العمل الدرامي التاريخي تنافساً سياسياً في المقام الأول، بعد أن كان مقتصراً على مجالي الثقافة والفن.

ثلاث تجارب بارزة عن الكيفية التي تُستخدم فيها الدراما التاريخية في منطقة الشرق الأوسط، تطل علينا من تركيا وإيران والخليج، لنرى كيف تحوّلت العديد من الأفلام والمسلسلات التاريخية إلى أدوات دعائية في أيدي الساسة.

الدراما التركية: إحياء الهوية العثمانية

المتابع للسياسة التركية، سيجد أن هناك اتجاهاً واضحاً نحو محاولة العودة إلى الأصول التراثية المتمثلة في عصر الخلافة العثمانية.

رئيس الجمهورية التركي الحالي رجب طيب أردوغان أعلن مراراً عن اعتزازه بالعثمانيين وبتاريخهم المشرف، إلى الحد الذي دعا الكثيرين من أعدائه ومناوئيه إلى تسميته السلطان العثماني.

ودعا أردوغان الذي يقود حزب العدالة والتنمية ذا التوجه الإسلامي، في الكثير من الأوقات إلى إنتاج المسلسلات والأفلام التاريخية التي تستحضر روح التاريخ العثماني المجيد.

وشهدت السنوات القليلة الأخيرة، استجابة عدد من صناع الدراما التاريخية لدعوة الرئيس التركي، فأصبحت الأعمال العثمانية تشغل حيزاً متزايداً على موائد الدراما التركية.

في 2012، أُنتج فيلم فتح 1453، وفي 2015 صدرت الحلقات الأولى من مسلسل قيامة أرطغل، أما في نهايات 2016 فقد بُثّت الحلقة الأولى من حلقات مسلسل السلطان عبد الحميد الثاني.

ثلاثة أعمال درامية متميزة، عملت على التقاط ثلاث لحظات تاريخية فارقة في تاريخ الأتراك.

في قيامة أرطغل، يتم التأريخ لبداية ومقدمات الدولة العثمانية، عبر سرد قصة أرطغل، والد عثمان الأول مؤسس الإمبراطورية.

ويعج المسلسل بالمشاهد التي تؤكد على قوة أرطغل وشجاعته ونصرته للمظلومين، وانخراطه في “الجهاد” المستمر ضد فرسان المعبد الصليبيين.

كما بيّن المسلسل كيف استطاع أرطغل تنظيم أوضاع قبيلته وإدارة شؤونها بحكمة وكياسة، وكيف استجابت القبيلة لأوامره وأطاعته، حتى تحوّلت من مجرد قبيلة تركمانية صغيرة تبحث عن مأوى إلى إمبراطورية ضخمة في عهد ابنه عثمان الأول.

كل ذلك جعل أردوغان يقوم بزيارات متتالية إلى موقع تصوير المسلسل. كما أنه قام بتكريم عدد من نجومه.

أما فيلم فتح، فيتناول أحداث سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين في عام 1453، ويبدأ الفيلم بذكر البشارة التي بشر بها الرسول الكريم من يفتح القسطنطينية.

وتصل أحداثه إلى الذروة مع مشهد رفع العلم العثماني على أبراجها الحصينة.

أردوغان الذي كان أول من شاهد الفيلم إبان فترة رئاسته للوزارة، أشاد بالعمل صاحب التكلفة الأعلى في تاريخ السينما التركية، والتي زادت عن 18 مليون دولار، وقال لصناعه معلقاً عليه: “أعجبني كثيراً، سلمت أياديكم”.

أما المسلسل الثالث، فهو مسلسل السلطان عبد الحميد، والذي يروي قصة آخر السلاطين العثمانيين الأقوياء الذين حاولوا الوقوف أمام المؤامرات والخطط التي دبّرتها الدول الغربية لإسقاط الخلافة، بحسب سيناريو المسلسل، حتى انتهى الأمر إلى عزله عام 1909.

أردوغان الذي اعتاد في خطاباته أن يذكر مظلومية السلطان عبد الحميد الثاني، وأن يشبّه نفسه به في الكثير من المواقف، ذكر في أحد لقاءاته التلفزيونية أنه سعيد بإنتاج مسلسل عن السلطان عبد الحميد وأن ذلك من شأنه أن يجعل الأتراك ينظرون إلى مستقبلهم بشكل أفضل.

يحتوي المسلسل على العديد من القضايا والمشاهد التي تتوافق مع الخط السياسي الأردوغاني الذي يروّج لزعامته للعالم الإسلامي، من ذلك المشهد الذي يقوم فيه مسلمو الهند بالهجوم على أحد معسكرات الإنكليز ورفع علم الخلافة في ساحته، في انصياع لقرارات الخليفة الذي يتمايل طرباً على أصوات منشدي الصوفية في إسطنبول.

ويؤكد المسلسل على شجاعة عبد الحميد وقوته. ومن المشاهد ذات الصلة صفعه السفير الإنكليزي بقوة عندما اكتشف خداعه، ولا شك في أن مشهداً كهذا سيستحضره الأتراك وغير الأتراك في أذهانهم حين يسمعون تصريحات أردوغان العنيفة ضد خصومه الخارجيين، وبالأخص قادة الدول الغربية.

الدراما التاريخية الإيرانية: الأولوية للتشيّع

عام 1979، نجحت الثورة الإيرانية في إسقاط حكم الشاه، وبعد وقت قصير، تحوّلت بشكل كامل لتأخذ شكلاً دينياً خالصاً.

حكم رجال الدين والملالي في إيران تطلّب إعادة نشر مبادئ المذهب الشيعي الإمامي والتأكيد عليها بشتى الوسائل الممكنة.

وبالطبع كانت الدراما التاريخية أداة مهمة لنشر تلك المبادئ بطريقة سلسلة ومستساغة، فقد قدمت السينما والدراما الإيرانيتان العشرات من الأعمال المهمة التي تناولت الأفكار السياسية الشيعية بشكل واضح.

من تلك الأعمال مسلسل يوسف الصديق الذي تمت دبلجته وبث عبر بعض القنوات الفضائية العربية، ولاقى نجاحاً كبيراً.

المسلسل احتوى على بعض المشاهد التي لا يمكن تبريرها إلا بكونها قد حشرت حشراً في السياق الدرامي للمسلسل للتأكيد على فكرة أو معتقد بعينه. فمن ضمن العقائد الشيعية التي تم تمريرها ضمن سياق الأحداث، عقيدة الولاية والإمامة التي تعتبر واحدة من أهم المرتكزات التي يقوم عليها المذهب الشيعي الإثنا عشري.

ففي المشهد الذي يصور لقاء النبي يعقوب بالنبي يوسف بعد طول فراق، حاول الثاني أن يقبل يد الأول فرفض يعقوب ذلك، وقال: “لا يا عزيز أبيك، ليس لك أن تقبل يدي، فأنت لك الولاية على أبيك، حق علي أنا أن أقبل يدك يا ولي الله”.

فالولاية التي جاء ذكرها في المشهد، هي ولاية عامة وشاملة ومطلقة، وهي اختيار إلهي بحت ليس للبشر دور. ومن هنا، تكون ليوسف الولاية على أبيه، رغم أن كليهما من الأنبياء، وأن الثاني أكبر سناً من الأول.

وفي مقطع آخر لم يتم عرضه في النسخة المدبلجة من المسلسل، يتراءى “الشيخ الجليل” (يرمز إلى الوحي أو الخضر) للنبي يوسف أثناء إلقائه في الجب، ويسأله الأخير عن الكيفية التي قد يتخلص بها من المشكلة التي هو واقع فيها، فيطلب منه الشيخ أن ينظر جيداً إلى يده، ففيها رمز الوجود، وهو الأصابع الخمسة والخطوط الأربعة عشر، وقال له إنه يجب أن يتوسل بها جميعاً لينجو.

وبالطبع فإن ذلك لن يكون مفهوماً للكثير من المشاهدين، فالأصابع الخمسة ترمز لأصحاب الكساء وهم الرسول وفاطمة وعلي والحسن والحسين، أما الخطوط الأربعة عشر فترمز للمعصومين الأربعة عشر (النبي وفاطمة وأئمة الشيعة الإمامية الـ12).

الرمزية الذي استخدمت في مسلسل يوسف الصديق، لم يتم التعامل بها في الكثير من الأعمال الأخرى، تلك التي كانت الرسائل السياسية فيها أكثر وضوحاً وظهوراً.

مسلسل باب المراد، والذي يروي قصة الإمام التاسع محمد الجواد، هو أحد تلك النماذج، فالمسلسل الذي شاركت إيران في إنتاجه، وقام العديد من الممثلين الإيرانيين بالتمثيل فيه، يعج بالمشاهد التي تقف في صف العقائد الشيعية، ولا سيما تلك التي تؤكد على الإمامة ومكانة علي بن أبي طالب.

في مشهد تبدو فيه أمارات المبالغة واضحة، يجعل السيناريو الخليفة المأمون يناظر علماء السنة في مكانة علي بن أبي طالب، وأفضليته على كبار الصحابة، وتأييده لكون الخلافة منصوص عليها من الله ورسوله، وأن الشورى فيها ساقطة عن الاعتبار.

كما يبيّن المسلسل كيف أن الإمام الشيعي يتفوق بعلمه ومعارفه على جميع علماء السنة الذين يظهرون كجهلة لا يستطيعون الوقوف في مقابلة الإمام المعصوم.

الحسين وكربلاء كانا أيضاً حاضرين بقوة في الأعمال الدرامية الإيرانية، خصوصاً وأن التأكيد على مظلومية الحسين وأهل البيت هو أحد الشعارات التي يستدعيها مراجع طهران وقم عند تناول أي أحداث سياسية في المنطقة.

مسلسل مختار نامة، كان أهم تلك الأعمال على الإطلاق، فالمسلسل الذي تم إنتاجه عام 2009، صوّر كيف تعرّض الحسين ومَن معه لمذبحة بشعة في كربلاء.

كما حكى كيف عمل المختار بن أبي عبيدة الثقفي على أخذ الثأر المقدس من القتلة، حتى انتقم منهم جميعاً.

الدراما التاريخية الخليجية: حضور متأخر

لم يلتفت ساسة الخليج إلى أهمية استخدام الدراما التاريخية في تمرير إيديولوجياتهم وأفكارهم السياسية إلا مؤخراً. فبعد فترة من الاكتفاء بتقديم الأعمال الدرامية الاجتماعية والبدوية، دخلت الشركات الخليجية مضمار سباق الدراما التاريخية في محاولة للرد على الأعمال القوية والمتميزة التي يقدمها “العدو الفارسي”.

وإذا كان هدف إيران التأكيد على مركزية المبادئ الشيعية الإمامية، فقد وجد الخليجيون أنفسهم مطالبين بالرد على ذلك في السياق نفسه، فقاموا بإنتاج عدد من الأعمال التي تركزت على الدفاع عن الصحابة وتبرير مواقفهم في فترة الفتنة الكبرى، واستعانوا في تحقيق ذلك بالكوادر الفنية السورية على وجه الخصوص، والتي لها خبرة كبيرة في الأعمال الدرامية التاريخية.

من تلك الأعمال، مسلسل خالد بن الوليد الذي قدم على جزأين في عامي 2006 و2007 وأنتجته شركة المها للإنتاج الفني وهي تابعة لمجموعة النور القطرية. وتناول العمل شخصية الصحابي خالد بن الوليد الذي لا يحظى بمكانة عالية عند الشيعة، وتوجه له الكثير من سهام النقد في كتابات علمائهم.

وحرص المسلسل على إبراز مكانة خالد عند الرسول.

ودوره في القضاء على الردة، وهزيمة مسيلمة الكذاب، وجهوده الكبيرة في فتوحات الشام والعراق.

كذلك أنتجت الشركة نفسها مسلسل الحسن والحسين ومعاوية في 2011، والذي تعرّض لانتقاداتمن الجانبين السني والشيعي، إذ حاول صناع المسلسل إثبات الروح الطيبة التي كان الصحابة يتعاملون بها مع بعضهم البعض في أثناء فترة الفتنة، وإلقاء اللوم كله على بعض الشخصيات التاريخية التي يشكك الشيعة في وجودها، مثل عبد الله بن سبأ اليهودي.

كما قدم المسلسل صورة أخلاقية متميزة لشخصية معاوية بن أبي سفيان، الذي يعتقد الشيعة أنه اغتصب الخلافة من أصحابها الشرعيين، فصوّر علاقته الطيبة بالحسن والحسين وتحدث عن عظم احترامه وتقديره لهما.

مسلسل عمر بن الخطاب الذي عرض في 2012، بإنتاج مشترك بين مركز تلفزيون الشرق الأوسط (mbc) ومؤسسة قطر للإعلام، كان إحدى المحاولات البارزة في هذا المضمار.

فالمسلسل الذي قدرت تكلفة إنتاجه بـ200 مليون ريال سعودي، (حوالي 54 مليون دولار) سعى إلى إيصال الكثير من الرسائل السياسية المبطنة، بهدف تهفيت ما يعتقد به الشيعة.

فقد عمل المسلسل على التأكيد على احترام الصحابة بعضهم لبعض، وعلى نفي وجود أي صراع على السلطة في ما بينهم، وظهر ذلك في العديد من مشاهده، منها مشهد إقبال علي بن أبي طالب على مبايعة أبي بكر الصديق.

ومشهد آخر يستشير فيه أبو بكر جماعة من الصحابة منهم علي، في أمر خلافته، فينصحه علي باستخلاف عمر بن الخطاب.

كما تحدث المسلسل عن عدل الخليفة الثاني الذي صار مضرباً للأمثال.

ويبدو أن الفترة القادمة سوف تشهد اهتماماً خليجياً متزايداً بتقديم الأعمال التاريخية ذات الرسائل السياسية، فرداً على الفيلم الإيراني محمد رسول الله الذي أُنتج عام 2015، أعلنت مجموعة النور القطرية عن مشروع سلسلة أفلام حول النبي محمد بميزانية تزيد على المليار دولار.

كما أن الشركة نفسها تستعد لطرح مسلسل أحمد بن حنبل للمشاهدة في رمضان المقبل، وهو المسلسل الذي يتعرض لسيرة واحد من أهم علماء أهل السنة والجماعة، وأكثرهم تأثيراً في حاضرنا المعاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق